كل الذين عرفوك يحفظون عنك دوام التبسم. دعني، يا حمزة، أبوح لهم بما هو أجمل. عيناك الباكيتان. أو لنقل، فرحتك الخاصة بالإنسان الذي في ضلوعك. أسكنت موتك في رئتي دفعة واحدة، بالرغم من اتفاقنا أن يكون على جرعات. يوم أوصلتني من المطار إلى الجنوب، ووقفت تتلقى العزاء برحيل جدتي كفرد من أفراد العائلة، وأنت أعز، فكرت كثيراً باللحظة التي ستأتي وأعزيك فيها. لا أملك حزنك النبيل. هذا الحزن الذي كنا نمشي أنا وهو معك، كظلٍّ يحتفي بأنه ظلّك.


لا أنسَ دمعتك قرب البحر، عندما حدثّنا حسين، الطفل السوري النازح من ريف دمشق، عن والده وأخيه اللذين قتلا في الحرب. كانت ليلة باردة، لا أنسى كيف ذهبت لتحضر له ما يأكله، وطلبت منه ألا يتسول لأحد. هل عرف حسين باستشهادك في بلده؟ لن تنتهي قصصي عن دمعك، عندما كنت تسبقني إلى صلاة الصبح. وعن ابتسامتك التي تليها، حتى نتجهز لرحلة في السهل قرب شعث. في منتصف الليل نذهب إلى النبع. يا حمزة لا يعرفون أنك تلميذ الراهبات في جديدة الفاكهة، وأنك كنت تأخذني أنا وحسن إلى تمثال العذراء في سيدة بشوات. ليس غريباً أن تسلم روحك في معلولا، قرب كهوف القديسين.
كان ممكناً لحمزة الحاج حسن، أن يعد تقريراً عن حسين الدمشقي، يحصد جمهوراً يضاف إلى رصيده المهني. لكنه رفض. كان موضوع الاستعراض الصحافي يشغلنا وكنا نتفق على نبذه، لأنه ذنب إذا استفحل في مهنتنا، صار كالخيط في الثوب. أثناء تغطيتنا لمعركة القصير، تعرضنا للقنص معاً، ولم نقل ذلك في رسائلنا المباشرة. احتمينا بأحد السواتر، كان الرصاص ينفجر فوقنا، وكنا ننظر إلى بعضنا ونجهش بالضحك.
كنا معاً في المعارك، تماماً كما دخلنا إلى هذه المهنة المؤلمة، كما بدأنا تدريبنا في الصحف معاً. كما أنجزنا مشروع التخرج معاً. حمزة، شاب صنع نفسه من العدم. والده لا وزيراً ولا مسؤولاً حزبياً وأمه ربة منزل فاضلة. شاب بقاعي، حنون، كان يخجلني من نفسي عندما أغادر السهرة في غرفته ضمن السكن الجامعي. أسأل نفسي كيف يمكنه المكوث في هذه الرطوبة؟ غيّرت السؤال عندما بدأ عمله في «المنار»: «يابا مش ناوي تغير هالغرفة؟ ما بدك تتجوز لتشجعني اتجوز وريح بال أمي؟».

أثناء معركة القصير، تعرضنا للقنص معاً، ولم نقل ذلك في رسائلنا
أول يوم في صحيفة «البلد» وقف قال: «نحن من كلية الإعلام، نريد أن نتدرب، ولا نريد أجراً، لدينا أفكار لتحقيقات ميدانية، فقط دربونا وصححوا أخطاءنا وخذوا عملنا للصحيفة كمرحلة أولى». انتقلتُ إلى «الأخبار» وبقي لفترة في «البلد»، قبل أن ينتقل إلى موقع «المنار» الالكتروني وصولاً إلى التلفزيون. وصلت الى التلفزيون ولم تتغير، والشاشات قتلت كثيرين بغرورهم يا حمزة، بينما أحييتها أنت بشهادتك.
قليل من الحب يشفيني. سأذكّرك. في مثل يوم استشهادك قبل خمس سنوات، طالت سهرتنا، لم أكن معك تماماً. تعرفها جيداً يا حمزة، هي صديقتك أيضاً، وتحدثت عنك على شاشتها بحرقة صادقة. عندما عزتني برحيلك، قلت لها: أنت وحمزة حصتي من الجامعة، وحصتي منذ بدأت أعرف هذه الحياة. «أنت ابني يا محمد»، هكذا قلت لي. وحرضتني على الحبّ. عندما نتشاجر أنا وأنت كنا نتنافس: من سيثبت أن الآخر فينا ابن الآخر. أجزم الآن: أنت ابني الصغير، وأنا يتيمك. هذه تسوية عادلة، تشبه ضحكتك.
خلال عودتنا من الهرمل، أبلغني حمزة أين ستكون نقطة عمله خلال الحرب المقبلة مع العدو الإسرائيلي. أخبرني عن التحضيرات للتصدي للإنزالات. أوقفني على جانب الطريق لنصوّر لون الغروب. لم أكتب شيئاً عن البحر لأنه يشبهه، لكن حمزة ليس غداراً. قال لي: «نحن أينما ذهبنا يا محمد، فدائيون، وآخر يومنا شهادة». أخذت معك نصف روحي يا حمزة، وبقي النصف الآخر ليسعفني في الحزن والافتخار. كلما كتبت عن الغروب والبحر، محوت الكلمات. أنت أجمل يا حمزة. أنت غروبي المبكر.
* مراسل في قناة «الميادين»