لا شك في أنّ خطوة سمير جعجع الأخيرة تصنّف في خانة الحنكة والذكاء. رئيس الهيئة التنفيذية في «القوات اللبنانية» الذي أنشأ أخيراً سجناً افتراضياً في معراب كتجسيد لذاك الذي قبع فيه لمدة 11 سنة في وزارة الدفاع، دعا إليه الصحافيين أول من أمس كي يعايشوا عن كثب ما عاناه «الحكيم» من «ظلم». هذا «الظلم» سيكون من أمضى أسلحة جعجع في تبييض صورته وتدعيم ترشّحه للانتخابات الرئاسية بعدما أثار ذلك انقساماً حاداً في الشارع.


الزنزانة الافتراضية ستبيّض صفحة جعجع وتظهره في مظهر الضحية، فيعفو «الرأي العام» عما مضى. ذلك هو تكتيك جعجع، لكن المفاجئ كان استدراج الإعلام غير الحزبي إلى هذه اللعبة حتى تخطى دوره في نقل الخبر إلى نظم كل أشكال البكائيات على جعجع (خرج من السجن بعفو بالمناسبة) حتى صرنا أمام مانديلا اللبناني! لعلّ تقرير mtv أول من أمس كان الأكثر عاطفة. استحضرت معدّته جيسيكا عازار كل عبارات الاستعطاف فاستهلته: «منذ 20 عاماً تقريباً في ذاك اليوم، بدأ مشوار 4114 يوماً في المعتقل (..) لكل زاوية فيه حكاية ووراء كل باب قصة». وبدأت عازار بتعداد أرقام الزنازين التي قضى فيها جعجع مدة سجنه، يضاف إليها الغرفة التي ضمّت كتباً كان يقرأها. وتبيّن من خلال تصريحاته أنه لم يخصص لها الوقت المناسب لأنّه فضّل «التأمل والركون الى الحياة الروحية». وكما ركّزت عدسة المرّ على صور القديسين على طاولة «الحكيم»، حذت حذوها القنوات الأخرى، لتحكي خلوات جعجع وانصرافه الى القراءة والصلاة والترتيل «كي ينسى أصوات التعذيب حوله»، وأيضاً «اعتذاره عن أخطاء وخطايا الحرب» دون غيره. فخاخ وقع فيها الإعلام بكل «طيبة خاطر».

وقعت القنوات
في الفخّ وراحت تبيّض صورة «الحكيم»


في تقرير آخر أعدّه جاد غصن على «الجديد»، استشهد بمانديلا، الرمز في محاربة نظام الفصل العنصري الذي قال مرةً إنّه «في بلادي نحن نذهب إلى السجن أولاً ثم نصبح رؤساء» ليسقطها على وضع جعجع! بدأ غصن التقرير بترتيلة كان الزعيم القواتي يتلوها في سجنه مترافقة مع صور له في زنزانته، فأدخلت المشاهدين في لعبة الاستعطاف من خلال مؤثرات بصرية وسمعية. وختم غصن مستوحياً من زميلته عازار: «هل ستكون الزنزانة طريقاً للرئاسة كما قال مانديلا، أم لدى البعض الآخر ستكون غير كافية للصفح عنه؟».
على «المستقبل»، حيث التقرير الأطول (3:39 دقائق)، بدأه ربيع شنطف بنفحة درامية عبر التركيز على صوت الجرس الذي كان يقرع في الزنزانة. لكن التقرير انحرف قليلاً عن لعبة جعجع الإعلامية، ليخدم هدف القناة في التصويب على النظام السوري. سأل شنطف قائد «القوات» عما إذا كانت سوريا قد قتلته، ليجيب: «ما بدا هالقد تفكير». وبينما شدد «المستقبل» على أنّ جعجع اليوم مختلف عن الأمس بسبب الكتب الإسلامية والمسيحية التي انكبّ عليها في السجن، لعبت lbci لعبة الموضوعية في تقريرها الأقصر هذه المرة (2:05). هكذا، سردت هذه الجولة من دون أي مؤثرات. من كل هذه التقارير، بقي ذلك التشبيه بين مناضل دخل التاريخ من أوسع أبوابه وسمير جعجع خير دليل على ضياع المعايير الأخلاقية والثقافية والسياسية في مملكة الطوائف!

يمكنكم متابعة زينب حاوي عبر تويتر | @HawiZeinab