يتفهم المرء أن يمتنع صحافي لأسباب تتعلق بالمنافسة المهنية، أو بالخلاف السياسي، عن التضامن مع صحافي آخر يتعرض للقمع من قبل جهة رقابية أو قضاء تعسفي، أو سلطة جائرة. يجوز تفهم أمر مماثل لأسباب تتعلق بحرية الرأي نفسها التي يجب أن تسمح لأي كان بقول ما يشاء، في أي قضية يريد، من دون رقابة.


هذا التفهم، لا يجب أن ينسحب فقط على الممتنعين عن التضامن، بل أيضاً على الشامتين، منتهزي الفرص لتصفية الحسابات الشخصية والمهنية والسياسية في لحظة انكسار قلم، أو لوحة مفاتيح، أو كاميرا. الحرية إياها تبيح لهؤلاء أن يشمتوا، ويعبّروا عن حقدهم الدفين، وعن «سرورهم» لما يحدث لزملاء لهم، تلاحقهم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، بتهم التحقير وعرقلة سير العدالة، وتهدد بسجنهم لمدة تصل إلى سبع سنوات. لكن بمعزل عما تتيحه الحرية لهؤلاء، لا بد من نقاش ما لا تتيحه المحكمة الدولية، لهم ولغيرهم، من حرية تعبير عن الرأي في مخالفة واضحة للمادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. المادة تنصّ بوضوح على حق أي شخص «بحرية الرأي والتعبير، واعتناق الآراء، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأي وسيلة كانت من دون تقيد بالحدود الجغرافية». على ما يقول المهاتما غاندي، فإنّ الحرية بلا قيمة إذا لم تشمل حرية ارتكاب الأخطاء. هذا إذا افترضنا أنّ نشر أسماء شهود المحكمة الدولية (في حالة «الأخبار») خطأ، ونشر معلومات عن شهادات بعض الشهود من دون نشر أسمائهم، أو عرض وجوههم (في حالة «الجديد») خطأ آخر، يعاقب عليه قانون المحكمة الوضعي.

اللافت أنّ الممتنعين عن التضامن مع «الأخبار» و«الجديد» هم من دعاة «العبور إلى الدولة»!

للمفارقة، تستطيع المحكمة أن تسنّ القوانين وتعدلها أثناء المحاكمات! بهذا المعنى، الحرية التي تتيح لنا جميعاً، مناصرين للمحكمة ومعارضين لها، أن نقول ما نشاء، في وصف بعضنا بعضاً، وفي الشماتة من بعضنا البعض، وتصفية الحسابات السياسية والشخصية بيننا، هي «مطلقة» بحسب المفهوم اللبناني، لا تضبطها معايير ولا حدود، وهي تتخطى مفهوم الديموقراطية لتنفيه وتفسده. هذه الحرية، يسميها بعضنا كذلك، لأنها تناسبه، وإذا حدث ولم تعد تناسبه، يسمّيها قمعاً. لهذا ربما، يغيب مفهوم الدولة عموماً في لبنان، استناداً إلى النظرية اللينينية حول الحرية التي إن وُجدت، تغيب الدولة، وإن وجدت الدولة، تغيب الحرية. المشكلة مع معظم الممتنعين عن التضامن مع «الأخبار» و«الجديد»، لأسباب كيديّة تتعلق بالمتاريس السياسية، أنهم (ويا للمفارقة) من دعاة «العبور إلى الدولة»، وفي الوقت عينه من دعاة الحرية، مرفقة بالسيادة والاستقلال. حرية يقولون بأنّ الفريق الآخر يمنعها عنهم، عبر السلاح والتهديد بالقوة العسكرية، مع العلم بأنّ سلوك هؤلاء على مدى السنوات الماضية لا يشي أبداً بأنهم مقموعون، أو مهددون، فهم يمارسون حريتهم في التعبير عن آرائهم كما يحلو لهم، ويستخدمون وسائل إعلامهم لإباحة كل محظور مهني أو أخلاقي أو إنساني لاستهداف شريحة كبيرة من الناس، يصنفونها في خانة العدو، لأنها تناصر خصمهم السياسي الذي يؤبلسونه إلى أبعد الحدود، ولا يجدون له ولو بارقة حسنة. أبعد من ذلك، يتبيّن أنّه عندما يكون هؤلاء «الأحرار» في السلطة، أو مناصرين لها، فإنّهم ـــ من دون قوة وسلاح ـــ يقدمون درساً في التصفيق للقمع الإعلامي!