تميم البرغوثي*

كتبتُ هذه القصيدة معارَضة لكلّ من قصيدة الإمام شرف الدين محمد بن سعيد البوصيري المعروفة بـ«الكواكب الدُرِّيَّة في مدح خير البَرِيَّة»، أو البردة، وقصيدة أحمد شوقي التي عارض فيها قصيدة البوصيري وأسماها «نَهْجَ البُرْدَة». والمعارضة تحية من اللاحق للسابق. ولأنها نصّ يعتمد في جزء من معناه على الأقل، على نص سابق له، فلا يكتمل معناه إلا بمعرفة القارئ للنص الأول، ثم هي مخاطرة لأن كتابتها، في زمننا هذا، ربما تشكل تحدياً لمنهجين سائدين في الثقافة العربية، تكون عند أولهما تمرُّداً على الحداثة، وعند الثاني تجرؤاً على التراث.

لذلك ربما احتجت في كتابتها إلى توضيح السياق. ولد الإمام شرف دين محمد بن سعيد البوصيري في مارس ١٢١٣ وتوفي في ١٢٩٥، وأصله من صنهاجة، من أمازيغ المغرب، إلا أن أسرته انتقلت إلى مصر، فعاش فيها عمره. بعد شهر من ولادته، كان البابا أنوسنت الثالث في روما يدعو للحملة الصليبية الخامسة. في هذه الحملة التي بدأت والبوصيري وليد، سيهاجم ملك المجر وأمراء ألمانيا طبرية من عكا، ثم يهاجم الصليبيون بقيادة مبعوث البابا دمياط في ١٢١٨ ويحتلونها، وتبقى الحرب دائرة بين الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، أي ابن أخ صلاح الدين الأيوبي، وبينهم حتى عام ١٢٢١ وعمر البوصيري ٨ سنوات. وكان عمره ١٥ سنة حين قرر الملك الكامل أن يتحول من بطل حرب إلى بطل سلام، ويستثمر انتصاره ليخون، فيهدي القدس بلا ثمن لصديقه فردريك فون هوهنستاوفن، أعلى ملوك أوروبا شأناً، الملقب بالإمبراطور الروماني المقدس، لتشكل قواته في فلسطين حاجزاً بين الكامل في القاهرة وأخيه الملك المعظم عيسى صاحب دمشق وسائر الشام وبقيت القدس التي حررها صلاح الدين في يد الفرنجة 15 عاماً أخرى. وحين يستعيدها المسلمون الخوارزميون القادمون من شرق إيران عام ١٢٤٤ سيكون البوصيري قد بلغ الـ 31، قريباً من عمري أنا اليوم. وعام ١٢٥٨ سيشهد البوصيري سقوط بغداد في يد المغول، وستأتيه أخبار مذبحة لم يعرف أهلها لها مثيلاً قبلها، فقد كان المعتاد أن الغزاة يتركون المدن التي يجتاحونها عرضة للنهب ثلاثة أيام، أما المغول فقد أباحوا دماء البغداديين أربعين يوماً، حتى اضطر الأحياء من أهل البلد إلى الاختباء في المقابر وقنوات الصرف وسراديب البيوت، وترواحت تقديرات المؤرخين لأعداد القتلى سواء بسيوف المغول أو بإحراق دورهم عليهم أو بالجوع بين عشرات الآلاف إلى مئات الآلاف. ولم يكن العرب من أهل العراق شهدوا مذبحة بهذا الحجم من قبل، وإن كان مقدراً لهم أن يروا أبشع منها حين تسقط بغداد في يد الأميركيين بعد زمن البوصيري بسبعمئة وخمس وأربعين سنة. وتوالت المذابح من العراق إلى الشام، وسقطت حلب ودمشق، غزاها تحالف من المغول والأرمن وصليبيي أنطاكية، ثم توجه الغزاة نحو مصر.
لكن الله منَّ على البوصيري، فعاش حتى انكسر المغول في عين جالوت، ثم انكسر الصليبيون في أنطاكية على يد الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري، ثم طُرِدُوا من بلادنا حين دخل الملك الأشرف خليل بن قلاوون عكا عام ١٢٩١والبوصيري شيخ في الثامنة والسبعين.


في ٢٠٠٦ انتصرت حفنة من المقاتلين في جبال لبنان على إسرائيل وكان واضحاً أن عقاباً سيصيب حكامنا المتواطئين


قررتُ الالتزام بكل قواعد المعارضة التراثية دون أن تكون القصيدة نفسها تقليداً للتراث
نحن لا نعلم على وجه اليقين في أي سنة بالضبط كتب محمد بن سعيد البوصيري بردته، لكننا نعلم أنّ أحمد شوقي كتب «نهج البردة» في تسعينيات القرن التاسع عشر، بعد احتلال مصر، وقبل انهيار الخلافة.
لا يجوز لي الكلام عن نفسي في هذا المقام. لكن يجوز لي الكلام عن زمني. فقد ولدت عام ١٩٧٧ في العام الذي قرر فيه بطل الحرب المصري أن يكون بطل السلام، ويعترف للغزاة الإسرائيليين بحقهم في بلادي. وحين كان يخطب أنور السادات في الكنيست الإسرائيلي في القدس ويرحّب عملياً بسفير إسرائيلي في القاهرة، كان رجال أمنه يطلبون من أبي الفلسطيني مغادرتها إلى منفى سيمتد 17 عاماً. وحين كان عمري عاماً، اجتاحت إسرائيل لبنان، واجتاحته مرة أخرى وارتكبت مذبحة صبرا وشاتيلا بحق الفلسطينيين عام ١٩٨٢ حين كنت في الخامسة. وفي ١٩٩١ حين كنت في الرابعة عشرة، حارب الأميركيون العراق للمرة الأولى وقتلوا مئة وخمسة وثمانين ألف نفس من العراقيين، وفرضوا عليهم حصاراً استمر 12 عاماً، ربما كان أطول حصار شامل في التاريخ، مات بسببه أكثر من مليون نفس، أكثر من نصفهم من الأطفال بحسب «منظمة الأمم المتحدة للطفولة». ولما انقضت أعوام الحصار الاثنا عشر، اجتاحت الولايات المتحدة العراق عام ٢٠٠٣ ما كلف العراقيين حرباً أهلية وموت مليون نفس آخرين. وبينما كان الرئيس المصري محمد حسني مبارك يرحب بحاملات الطائرات الأميركية المارة من قناة السويس، كان رجال أمنه يخبرونني أنني غير مرحب بي في القاهرة. كانت إسرائيل قد أعادت اجتياح الضفة الغربية لنهر الأردن قبلها بعام، ورام الله، بلد أبي، اجتيحت وحوصر فيها بعض أهلي، لكن لم يكن شيء يشبه ما جرى في العراق. علَّم العراق الأمة كلّها أن الحزن ترف، وأنّ الرضا بالطغاة ترف، وأن الحروب الأهلية ترف، وأن الفتنة الطائفية ترف، عدونا أقوى امبراطورية في العالم، فإما أن تكون لمقاومتها أولوية على كل شيء، وإما الموت العَمَمْ. لكن الله لا يستقيل من رحمته. في عام ٢٠٠٦، انتصرت حفنة من المقاتلين في جبال لبنان الجنوبية على إسرائيل، وفي العام نفسه كان بادياً أن الأميركيين لن يستطيعوا البقاء في العراق طويلاً، وكان واضحاً أن عقاباً ما سيصيب حكامنا المتواطئين. غير أنِّي لم أكتشف هذا التشابه بين الأزمنة الثلاثة إلا أثناء كتابتي للقصيدة.
وقد قيل إن الإمام شرف الدين البوصيري أصيب بفالج، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يلُفُّ عليه بُردته، أي عباءته، فقام من المنام بارئاً، وكتب قصيدته وسماها «الكواكب الدرِّيَّة في مَدْحِ خَيْرِ البَرِيَّة»، فسماها الناس «البُردة». وأنا لست أهلاً للمعجزات، لكن يمكن للمرء أن يرى التاريخ كله معجزة إذا أراد، كما كان صلاح جاهين يرى الإعجاز حتى في شروق الشمس وغروبها. أذكر أنني أكملت أول نسخة من القصيدة وحفظتها، وأنني كنت أكتب بخط اليد نسخة منها وأنا في غرفة انتظار «مستشفى جورجتاون» في واشنطن أنتظر خروج الوالدة من جراحتها الأولى (تلتها بعد ذلك ثلاث جراحات أخرى)، وللمصادفة، فقد أجريت هذه العملية يوم 17ديسمبر ٢٠١٠ يوم بداية الثورة التونسية. وقد أجريت لوالدتي العملية الأخيرة يوم 13 فبراير ٢٠١١ بعد يومين من انتصار الثورة المصرية. خرجت الوالدة إلى البيت بصحة جيدة والحمد الله. كذلك، فإن الثورات التي قامت كانت برءاً للأمة من علتها. وهذه البردة دعاء، ولم أكن أظن أن دعاء مثلي يستجاب، وقد أصَبْتُ من الدنيا ما أَصَبْتُ، لكن رحمة ربك واسعة، وفي هذه الأمة من الأمهات والآباء والأطفال من تكفي طهارة قلوبهم ليستجاب دعاؤهم، سواء دعوا بالصوت أم بالصمت، كأن هناك مظاهرة مليونية من الأدعية، تكفي ليندس بينها دعائي قليل الجدارة، فتغمره بكرمها، أن «أهلاً وسهلاً ومرحباً أنت في أهلك وناسك».
لا بد هنا من الإشارة إلى مستوى ثالث من المعنى، يتجاوز التجربة السياسية التاريخية والتجربة الروحية الفردية. كل الحروب والقضايا بل اللغات والحضارات ستفنى، كما فنيت حضارات وديانات ولغات من قبل، وربما يكون ما نموت من أجله اليوم مثاراً للضحك عند أحفادنا بعد ألف سنة أو ألفين. لكن ما سيبقى مثاراً للإعجاب هو سعينا العنيد هذا لأن نحيا، وأن نحيا بكرامة وقدرٍ من الجمال. إن التاريخ يكتسب معنى حين يتحول إلى مَثَلٍ يُضْرَبْ، ونموذج يُحْتَذَى، وإمام يتَّبع، وقِصَّةٍ تُتْلَى وَقَصِيدَةٍ تُسْمَع. يصبح السعي نفسه مثالاً مسعياً إليه. المثال، الشعر، الصورة تصبح مرآة للبشر تظهرهم أجمل مما هم، وتدعو واقعهم إلى أن يصبح بجمال خيالهم. إن القصيدة التي تصوّر الصراع، تمنحه معنى، وإن عمليات عسكرية جرت منذ آلاف السنين في ساحل آسيا الصغرى، لن يبقى منها بعد أن تتغير اللغات والأديان والهويات والخرائط، إلا الإلياذة، لأن الإلياذة ترفع تلك الكومة المشعثة من الأحداث إلى مَعْنَى ما يُعين اللاحقين على تَشَعُّثِ حياتهم. ثم إن الشاعر لم يضف الإلياذة إلى التاريخ، بل نقب التاريخ عنها، كانت الإلياذة هناك بين أقدام الجنود، قشر عنها السياسة فبقي لُبُّها. نعم إن الناس «يتقاتلون على الثريد الأعفر» كما كان الحسن البصري يقول في أهل الفتنة الكبرى، ولكنهم في قتالهم، وتحت غبار المعارك، يكتبون نصاً ما، قصيدة ما، سواء علموا أم لم يعلموا، يسعون لجمال ما، لبلاغة ما، لدرجة من الاختيار والحرية يهزمون بها اضطرارات الحياة والموت. والمدح النبوي هو من هذا الباب، بحث عن السماء في الأرض، عن الجليل في اليومي، عن الإلهي في البشري، عن الشعر في النثر، عن الجمال في الصعوبة، عن الباقي في العابر، عن النبوة في الناس، وعن المعنى في التاريخ.
إنني في هذه القصيدة أخرج خروجاً صريحاً على مدرسة في الشعر العربي ترى التراث عبئاً عليها بدلاً من أن يكون سنداً لها، وهي مدرسة تقابل في الآداب الدولةَ الحديثةَ التي بناها الاستعمار في السياسة. وإن تقنيات المعارضة والتخميس والتشطير وغيرها من الفنون التي وسمها بعض الحداثيين بفنون عصر الانحدار، تتيح للمرء من أساليب المحاورة والصدى ما شاء. ولذلك، فقد قررت الالتزام بكل قواعد المعارضة التراثية، دون أن تكون القصيدة نفسها تقليداً للتراث. ولا أجد حرجاً في هذه المقدمة من الكلام عن بعض التقنيات كعدد الأبيات أو اختيار القافية مثلاً، فالشكل عندي كلمة في جملة المضمون لا يستقيم بدونه.
ولما كان من أعراف المعارضة زيادة الشاعر اللاحق في عدد الأبيات عن الشاعر السابق، ولما كانت أبيات البوصيري مئة وستين، وزاد شوقي أبيات النهج إلى 190، فإنني أتممتها مئتين، وغيرت القافية من الميم إلى الدال، لأنّ في معنى القصيدة بعض الانقلاب عن معاني سابقتيها، فأحببت أن يرادف ذلك انقلاب في الشكل، فيكون صدر بيت القصيدة الأشهر: «مولاي صل وسلم دائماً أبداً... على حبيبك خير الخلق كلهمِ»، هو عجز البيت الذي يبدأ به المديح في هذه القصيدة.
وقد سمعها مني مصطفى سعيد، وأحب أن يلحنها فأحببت ذلك. تعرفنا في سياق الثورة في مصر، وغنى قصيدة لي في اعتصام ميدان التحرير الاصلي في الأيام الثمانية عشرة التي أطاحت بمبارك، واكتشفنا أنّ مشروعنا في الموسيقى والشعر والنظرة الى التراث والتحديث واحد. ومن الغرب الحَسَن أن مصطفى من أحفاد السيد البدوي، والملقب بشيخ العرب، وذي اللثامين، فهو سليل مشايخ الطريقة الأحمدية الخلوتية وكان مقدم أجداده من المغرب الى مصر في القرن الثالث عشر، تماماً كما كان مقدم أسرة البوصيري، وكما كانت عودة أجدادي الكنانيين، ومن منتآهم المغربي أوائل العهد الأيوبي إلى مصر ثم إلى جبال بني زيد في شرق فلسطين.

* مقتطفات من المقدمة التي كتبها الشاعر الفلسطيني تعريفاً بمشروعه.

■ للاطلاع على المقدمة الكاملة أنقر هنا