إذا لم يبق من بوش الابن إلا صورة واحدة في الذاكرة العربيّة، فهي تلك التي اقترنت آخر عهده بحذاء منتظر الزيدي. لقد دخل ذلك الحذاء التاريخ مع W، لكن من دون صاحبه. بعد ساعة العزّ القصيرة، عاد الزيدي ليذوب في كتلة غامضة اسمها الشعب. كتلة «الناس اللي تحت»، ضحايا الاضطهاد والاستغلال والاستبداد والاستعمار، الذين ينساهم التاريخ كلّ مرّة، بعدما استعار وجوههم واسماءهم، ليوحي بأنّه يراهم ويسمعهم ويعترف بوجودهم.


بعد «الربيع العربي» المجهض، تأكّدنا مما نعرفه: التاريخ الرسمي، تاريخ المنتصر، لا يعترف بالأبطال الطالعين من صفوف الشعب… لكنّه في حاجة إليهم لمشاهد المجاميع، كما في الأفلام التاريخيّة في هوليوود، لا بدّ من الكومبارس كي يبدو الاستعراض مقنعاً ومؤثّراً. ترى كيف كان غي دوبور، أو بعده بيار بورديو من زاويته النقدية، ليدرسا «مجتمع الاستعراض» في زمن ما بعد التلفزيون، زمن الويب 2.0 ومواقع التواصل الاجتماعي؟ كيف نفلت من هذا الوحش النهم الذي يلتهم كل شيء، دراكولا الأزمنة الحديثة يحتاج كل لحظة الى دماء جديدة، لكي تدور رحى مطحنته العملاقة؟ ومن حين لآخر يتفلت فرد من الجوقة، يقف في الضوء فنصفّق، نبكي، نغضب، أو نضحك أيضاً. تقول لنا الآلة الضخمة: إنّه الشعب، فنتماهى معه. منى ـــ «شاط آب يور ماوس أوباما» ـــ البحيري، هي اليوم ذلك البطل. مواطنة «شعبولا» التي تكره أوباما وتحب السيسي، متأرجحةً بين «الروح الشعبية» وشعبويّة مقلقة، صارت ملكة يوتيوب، وممثلة «ثورة الهوامش»، و… نجمة «منتدى الإعلام العربي». لعلّها نهاية الاعلام كما نعرفه، في زمن «الاعلام الموازي» الذي ينشر «ظواهره» أسرع من الضوء، أسرع من «الحقيقة».