الانتخابات ذروة الديمقراطيّة. لحظة مقدّسة تؤكّد سيادة الشعب المُقْدِم على تقرير مصيره، واختيار الأفضل لسعادته ورخائه. طبعاً المقاربة نسبيّة، وقد تختلف تبعاً للمجتمعات والحقبات والظروف. لكن العرب حلموا طويلاً بهذه الحوريّة، حتّى خيّل إليهم أنّهم على قاب قوسين من معانقتها. أوشكوا أن يقلبوا صفحة من تاريخهم، ويحققوا الديمقراطيّة، بعدما دفعوا أثماناً باهظة في سبيلها. لماذا إذاً تبدو الانتخابات الرئاسيّة المصريّة لكثيرين أقرب إلى مأتم؟ هل تعلن بداية عهد جديد مفعم بالأمل؟


أم تدقّ نهاية حلم عربي بدأ في ٢٥ يناير، بل قبله في ١٤ جانفي؟ مع حفظ النسب بين مشهد يسمح بالأمل (تونس)، وآخر كابوسي (سوريا)، وثالث تراجيكوميدي (ليبيا)… الربيع العربي كان قصيراً، أو هكذا يبدو لنا في هذه اللحظة من تاريخنا، فقد فتحت «الثورة» علبة باندورا وخرجت منها المسوخ واللعنات. وإذا بالتقدّم الموعود قفزةً هائلة إلى الوراء، أفرزت «حنيناً» عبثيّاً إلى زمن الديكتاتوريّة المقيت. لقد انتهت الحفلة يا أولاد. وجاء القائد محمولاً على الأكتاف لينقذ رعاياه، ويرد البلاء، ويعيد الأمور إلى نصابها. بايعه جميع العقلاء، ولم تعارضه إلا الخراف الضالة. الثورة التي كلفت الشعب دماً وتضحيات كبرى، تمخّضت عن نظام يعيد إنتاج سابقه: استبداد وتقييد حريّات وفساد وتنازلات للاستعمار. وفي مستنقع القمع والفقر والأميّة والقهر، ينمو الإسلاميون ليصيروا المعارضة الوحيدة. هل نبحث عن النخب الثقافيّة وسط أدغال الانتهازيين والمذعورين وديمقراطيي الاستبداد وشهود الزور؟ هل نسأل عن جيل الويب وأطفال الإنجي أوز، بعدما تساوى محمود بدر بوائل غنيم؟ كل المؤشرات تقول إننا عدنا إلى الخانة الصفر. موعدنا بعد أربعين عاماً؟