أسئلة وإشكاليات كثيرة يطرحها صدور كتاب «وما أدراك ما الحراك» (دار الريّس) للصحافي والكاتب حسّان الزين. يوثّق الأخير ويسرد زمنياً لمراحل وكواليس الحراك المدني الذي بلغ أوجه في تموز (يوليو) الماضي. ويبدو أن هذه الحركة الشبابية الاعتراضية قد أخمدت، خصوصاً مع بروز قرار حكومي بترحيل النفايات. من بين هذه الأسئلة البديهية هو توقيت صدور الكتاب قبل انفضاض هذا الحراك نهائياً عن المشهد اللبناني ومرور زمن عليه كي تمكن مقاربته بشكل أشمل وأوسع. لكن خلال قراءة صفحات هذا الكتاب الذي يقع في 100 صفحة، يدرك المرء سريعاً أنّ ما تم تدوينه، يشبه الى حدّ بعيد القصاصات، أو الملاحظات المدّونة سريعاً وبطريقة برقية، لتوثق اللحظة فقط قبل انقضاء الزمن عليها. هكذا، أتى كتاب حساّن الزين برقياً في تكثيفه لمرحلة امتدت من آب (أغسطس) الماضي وصولاً إلى نهايات أيلول (سبتمبر)، أي فترة ولادة هذا الحراك ومراحل تخبّطه وكسره لحواجز عدّة، وصولاً الى تضعضعه بشكل دراماتيكي.

دخول «بدنا نحاسب» ذات التوجه اليساري أزعج جماعة «طلعت ريحتكم»

اعتمد هذا الكتاب بشكل أساس على ملاحظات وتدوينات الزين الذي كان جزءاً أساسياً من هذا الحراك الشعبي، وعلى ما نشر وقتها على موقع «تغريدة» الذي يعدّ الصحافي اللبناني أحد مؤسسيه. في هذا الكتاب، انتقل الزين من كونه أحد نشطاء هذا الحراك، الى ممارسة العمل الصحافي الذي أخرج كواليس وتفاصيل الاجتماعات السرية والعلنية لمجموعات الحراك، كاشفاً تفاصيل عدّة غائبة عن الرأي العام اللبناني. بالتوازي مع هذا الفعل، خرجت أصوات مقابلة تذّم هذا «الفضح» وتعتبر أن من ليس من حق الزين كتابة ما كتبه، فـ «المجالس بالأمانات».
ينطلق «وما أدراك ما الحراك» من ليل 22 آب (أغسطس)، تلك الليلة الدموية التي جرى فيها الاعتداء على المتجمهرين في ساحة «رياض الصلح» بالرصاص المطّاطي والغاز المسيل للدموع، ويمهّد من خلالها للدخول الى هيكلية الحراك وبدء تشكّله، وانضمام مجموعات أخرى إليه. يتوقف الزين بشكل لافت، عند التفرّد والأنانية اللذين كانا يحكمان تحرك «طلعت ريحتكم» الذي يعتبر نواة هذا الحراك وصاحب الفضل في انطلاقه وتوجيه الأنظار إلى أزمة النفايات التي ما زالت تضرب البلاد والعباد. يسرد تفاصيل حصلت في اجتماعات عدة مع هذه المجموعة ويسميّهم بالأسماء. مقابل ذلك، دخلت مجموعة جديدة على هذا الحراك هي «بدنا نحاسب» ذات التوجه اليساري. ويبدو أنّ ذلك لم يعجب جماعة «طلعت ريحتكم» بسبب الهوة الإيديولوجية بين المجموعتين. ويظهر أن الزين مستاء من «بدنا نحاسب»، أو ما أسماه «فائض اليسار»، إذ يعتبر أنّه لم يجّدد منذ زمن بعيد لا خطاباته ولا أدواته. ولعلّ أبرز نقد سجله الصحافي اللبناني هنا، عندما أشار بشكل واضح الى تحرك «زيتونة باي» في 12 أيلول (سبتمبر) الماضي للفت النظر إلى الأملاك البحرية. رأى الزين في هذه الحركة التي قام بها ما اسماه «ختيار اليسار» أنها «شعبوية» و«تستفزّ فئة، وتياراً مذهبياً» (المستقبل)، وأن محاكمة الفاسدين يجب أن تقوم بها الدولة ولا يصار الى «محاكمات عسكرية وشعبوية».
وفيما شريط الأحداث التي حصلت في المدة القريبة المنصرمة ما زال ماثلاً في أذهان اللبنانيين، لا سيما أولئك الذي تابعوا لحظة بلحظة هذا الحراك وأملوا في أن يحقق أهدافه، يستعيد الزين هذا الشريط بشكل برقي أيضاً عبر إعادة التذكير بأبرز المواقف السياسية والإشكالية التي حصلت، لا سيما تلك التي اتخذت منحى مذهبياً ضيقاً بغية حصار الحراك وإفراغه من مضمونه، أو تلك التي خرجت من الحراك نفسه عبر تشكلّ مجموعات بالمفرق ذهبت أهدافها في اتجاهات التسييس وإثارة البلبلة والانقسام بين الجمهور وأفراد الحراك.
ورغم قتامة الأحداث التي حصلت، وتضعضع الحراك واختلاف اتجاهاته، وانفراط عقده في ما بعد، الا أن الزين يختم كتابه ببارقة أمل، مشيراً إلى الصورة التي رسا عليها الحراك من خلال خروجه من الزواريب الضيقة والمناطقية، وإعادة اعتبار إلى "الدولة والمواطنة"، فسجّل له "شرف المحاولة" على الأقل.