التأليف الحاشد للمكونات والعناصر هو أول ما يصلنا من محفورات جميل ملاعب (1948) الذي تحتضن «غاليري جانين ربيز» معرضاً استعادياً له بعنوان «حياة تستحق العيش». التحشيد هو مادة مرئية في كثافة وتعددية ما يحضر في اللوحات، لكنه أيضاً حساسية في المزاج والطموحات والتقنيات التي تتغذى عليها العناصر التي تشارك في التأليف، وهو ما يظهر حتى في أعمال تحتوي على فكرة واحدة أو مشهد منفرد. هناك روح إنشادية في هذه الحشود من البشر والحيوانات والطيور والأشجار وجزئيات الطبيعة والمشهديات المدينية والريفية، إضافةً إلى ترميزات وأشكال تكمّل التصور النهائي لممارسات الحفر على الخشب.


الكثافة والحشود تمنحان أغلب الأعمال المعروضة نَفَساً ملحمياً أو أسطورياً لا يترجم مادة أو فكرة أسطورية بالضرورة، بل هي مجرد انطباعات تظل تنبعث من هذه الأعمال التي تزيد على المئة، وتغطي فترة زمنية تمتد بين عامي1980 و 2014. زمن يمكن تقطيعه إلى أزمنة وانعطافات كبرى وصغرى في الحياة اللبنانية التي شهدت حروباً أهلية وإلغائية وتحريرية، وشهدت تهجيراً واغتيالات وتصفيات وانقسامات سياسية واجتماعية حادة لا تزال طبعاتها الأحدث مستمرة حتى اليوم.
هكذا، تتسع اللوحات التي سنظل نتذكر أنّها محفورات على الخشب لتكون شهادة لحواس الفنان على مجريات الحياة الشخصية التي حدثت وتحدث داخل الحياة العامة. اللوحات تعكس عشرات القصص والسرديات الملونة وغير الملونة، وتقدم تاريخاً أو توثيقاً فنياً موازياً ومتداخلاً مع حركة الواقع والحياة، ومع اضطرابات المخيلة ودرجات المزاج الذاتي. هناك سياسة، وهناك تقشف وتأملات تقترب من التنسّك. وهناك لعبٌ مأساوي على ثنائية الولادة والموت، ومساءلات لجدلية الذاكرة والراهن، الريف والمدينة، الحرب والسلم، التراث والحداثة، الحجاب والعري، الأسطورة والواقع. مفردات ضمن قائمة أطول يجد لها الناقد جوزيف طراب سياقاتٍ واضحة ومستمرة داخل تجربة ملاعب في المقدمة التي كتبها للكتاب الذي صدر بالتزامن مع المعرض. وهو ما يتلاقى مع كلمة ملاعب نفسه عن عمله على «قماشة من التفاصيل المتحركة على تقاسيم الولادة والموت، وما يجمع بينهما من جزئيات العيش»، وعن أنّه يحفر «كمن يعلن حضوره على الزمان، لأن الحفر هو الفراغ والامتلاء، الفرح والحزن، الغفلة واليقظة».
مفردات مثل هذه تصلح لوصف مزاج التجربة ومناخاتها الكبرى، إلا أنها لا تبقى في حيز الوصف والتنظير، بل تتجزأ وتتشظى وتنقسم إلى مكونات ملموسة لتأليف الأعمال التي تُنجز على شكل مشهد أو مشهديات متداخلة، أو على شكل مصفوفات وخانات عمودية وأفقية، أو يمكن أن تكون شبيهة باللوحات العادية المشغولة بموضوع واحد يأخذ المساحة المفترضة كلها. العناصر التي رأينا أكثرها في لوحات أخرى لجميل ملاعب تحضر هنا بتقنية الحفر، حيث قساوة الخط والتقسيمات العنيفة والمتلاطمة للمساحات، وإنجاز الأشكال البشرية والحيوانية وسواها بأقل قدر من الجماليات التقليدية. العناصر هنا (وخصوصاً في الأعمال غير الملونة) تحتفظ بذلك النوع من القبح الخفيف أو المقاييس المرتجلة وغير المعتنى بها كفايةً، لكي ترسل إشارات لا تتسم بالرخاوة والحيادية.
نتحدث هنا عن التقنية وعن الرؤية معاً. الحفر لا يوفر ذلك الترف الذي توفره اللوحة العادية المنفذة بالغواش أو الاكريليك أو الزيت مثلاً، خصوصاً أنّ بعض الأعمال المعروضة منجزة بأدوات ومواد بدائية وفي ظروف لم تكن مثالية أو احترافية بالنسبة إلى ملاعب الذي اضطر أثناء الحرب الأهلية إلى مغادرة قريته بيصور الجبلية والعيش في أماكن موقتة. التضاريس والمكونات التي بدت فائضة بالضوء والظل والإيقاعات وتدرجات اللون في أعماله الأخرى، نراها هنا زاهدة وقلقة وذاهبة إلى استعاراتٍ مكشوفة وواضحة. «إنني في هذه المحفورات أنحاز للإنسان في عذاباته»، يقول الفنان الذي يبدو كمن يصرّف طاقة عاطفية ويحرر غضباً داخلياً، كما يصفه طراب الذي يعيد جزءاً من هذا الاضطراب إلى تجارب سابقة أنجزها الفنان خلال حرب السنتين (1975 – 1976)، وظهرت فيها تأثيرات مباشرة من «ضراوة المعارك والمجازر وعمليات الخطف والتصفية».
خلاصة مثل هذه تعيدنا إلى فكرة الحشد والجموع التي تفتح فضاء المحفورات على زمن الحرب والمعابر والانفجارات، وعلى اجتماعيات الناس وقلقهم وعزاءاتهم. إلى جانب ذلك، يتكرر حضور الطائر على شكل حمامة أو عصفور، ونجده في فم ثعلب أو نسر، ونجده في أقفاص أيضاً، لكن نجد «طائر الحكمة» أيضاً. ونرى حياة الناس الموازية للشارع اليومي، ومرورهم بجوار أشلاء سيارة، وأعمالاً بعناوين مثل «قنبلة» و«تفجير» و«ملجأ» و«آلهة الحرب». لا تختزل الحرب ومناخاتها المعرض كله، لكن «السرد الملحمي» الذي يحكم اللوحات الأخرى أيضاً، يوحّد انطباعنا عن الحقبة التي أُنجزت فيها هذه الأعمال. كأن تقنية الحفر لائقة أكثر بذاكرة الحرب والتراجيديات الإنسانية، إذْ أنها تُكسِبُ اللوحة وموضوعاتها شيئاً من قوة فن البوستر وزخمه الاحتجاجي، خصوصاً في الأعمال المنفذة بالأبيض والأسود فقط.




«جميل ملاعب: حياة تستحق العيش»: حتى 7 حزيران (يونيو) ـ «غاليري جانين ربيز» (الروشة). للاستعلام: 01/868290