يمحو كميل حوا (1947) أكثر مما يرسم، أو لعله يختزل ويقتصد ويلجم لوحاته وأعماله من الثرثرة والاستطراد. الفنان اللبناني المقيم في السعودية منذ أكثر من 30 سنة، مارس الفن والخط كهواية منذ بداية سبعينيات القرن الماضي. اشتغل على اللوحة والخط والغرافيك والطباعة والنحت، وأدهشنا بمفردات أعماله الملتقطة من الحياة اليومية وحميميات العيش والجزئيات العابرة. وها هو يعود بعد انقطاع طويل بمعرض تحتضنه غاليري «109» بعنوان Drawing the line. العنوان يسري فعلاً على الأعمال المعروضة التي يشكل الخط مبدأ تأليفها. بخط أو اثنين ولطخات صغيرة، يُنجز كميل حوا ما يعتبره جوهر اللوحة أو روح المشهد الذي يُظهّره فيها. لا يحتاج إلى بهرجة في الخطوط والألوان. القياسات الصغيرة للوحات، والتقشف الذي رُسمت به، يجعلها ظليلة ومستسلمة لحميمية داخلية لا تتأخر في إرسال انطباعات مماثلة إلى الزائر الذي يُخيل إليه أنه يصنع صداقة فورية مع ما يراه.


لا تعود اللوحة فناً خالصاً، ولا يعود الزائر متلقياً حيادياً. كأن الفنان يرسم ما يحيط بنا وما يتنفس في غفلة عنا. إنها تفاصيل صغيرة ومهملة تشبه تلك التي تُمتدح في الشعر اليومي وقصيدة التفاصيل. لا تطمح اللوحات إلى أن تكون قصائد، ولكنها لا تنجو من شعرية خافتة تتدخل في صياغتها. بهذه النظرة، نتأمل لوحة لملاقط غسيل، وامرأة جالسة على كرسي، وإبريق شاي محاطاً بفناجين، وبورتريه لصديق، وامرأة قرب حوض سباحة، وأصيصاً لنبة، وقططاً حول حاوية قمامة.


دوائر وأشكال متداخلة تفوح منها مذاقات تجريدية

ثم ننتقل إلى سلسلة لوحات لعصافير سبق للفنان أن راقبها من شرفة منزله، والتقط لها صوراً كثيرة. العصافير المنجزة بأقل ما يمكن من الرسم، تزيّن مجسمات على شكل مزهرية أو آنية يمكن استخدامها في سينوغرافيا منزلية أو مكتبية. إلى جانب ذلك، يجرب الفنان العمل على فكرة الخطوط المنحنية اللامتناهية في رسم متاهة من دوائر وأشكال متداخلة تفوح منها مذاقات تجريدية. التجريب يظهر على شكل ساعات حائط، وفي تجريدات صافية زرقاء وصفراء، وفي تحية لبيروت التي يُستثمر اسمها في صنع مجسمات حروفية. في كل ذلك، يبدو كميل حوا مفتوناً بفن اللوحة الصغيرة، وبالحضور الحميمي للأشياء والموجودات، بينما نوستالجيا بيروتية تصنع له صلة وصل بين عوالم لوحاته، وحياته الموزعة بين الذاكرة والحاضر.



Drawing the line: حتى مساء غد الأحد ــ «غاليري 169» (الصيفي). للاستعلام: 01/980650