خيّل للمشاهد أو المستمع الذي يتابع برنامج «استرجي» (الإثنين 20:30 على «أو تي في» وإذاعة «صوت الغد») الذي يقدّمه زياد نجيم، أنّ الأخير محارب وليس محاوراً، يحمل سوطاً حادّاً ويوجّهه نحو الضيوف، والمتابعين، وحتى التاريخ! شخصيته المتمرّدة المعهودة «تسرح وتمرح» في البرنامج من عنوانه حتى كلمة الختام.


أما عن موضوعات البرنامج، فهي ملفات حساسة وموضع نقاش وجدل محليّ يطرحها نجيم مع ضيوف متنوعي الإختصاص والتوجّه. الاغتيالات السياسية، وحرية المعتقد، والاسلام السياسي والحركات الأصولية، وإغتصاب الأطفال، والاستقلال، والمقاومة، والرئيس اللبناني المقبل وغيرها من العناوين شكّلت محور «التحدّي» خلال الحلقات.
يتميز برنامج «استرجي» عن غيره من البرامج التلفزيونية أنه محاولة فريدة للتلاقي والشراكة إعلامياً بين قناة «أو تي في» وإذاعة «صوت الغد». الحلقات التلفزيونية عبارة عن حلقات إذاعية مصوّرة، أيّ أن الاستديو هو الإذاعة، والديكور هو معدّات التسجيل الصوتي، فيما تصوّر الحلقة أثناء تسجيل الصوت والحوار الإذاعي. رغم أن هذه التجربة هي الأولى من نوعها بين تلفزيون وإذاعة، إلا أن رتابة معينة تسيطر على الأجواء، ويفتقد البرنامج إلى ميزات الأعمال التلفزيونية الأبرز وهي الصورة!
ترتكز الحلقة إلى الحوار، ويبثّ تقرير أو إثنان صوتيان لا غير. لذا، يتسبّب غياب التقارير المصوّرة، وضعف التواصل المباشر بين روّاد الاستديو أيّ المقدم والضيوف مع المشاهدين، في حالة نغم أحادي وروتيني. تنشط التجربة الإذاعية على حساب تلك التلفزيونية ويغرق المشاهدون في الملل. تمتد الحلقة حوالي الساعة ونصف الساعة، يطلّ فيها نجيم بفقرات مقسّمة، إضافة إلى مجموعة ضيوف. أما عن علاقة الضيوف ببعضهم ومع نجيم، فتظهر الثغرات واضحة. ضيوف متنوعو الاختصاص لكنهم لا يعرفون بعضهم. يغيب التواصل في ما بينهم ويأتي تعليق كلّ شخص على ليلاه. أما عن نجيم، فيبدو كأنه يضع الضيوف في دائرة الإتهام، طارحاً عليهم الأسئلة بإلحاح ملحوظ.
على صعيد آخر، تُسجل للبرنامج مواضيعه الجريئة، لكن لا بد من التوقف عند المصطلحات التي تلامس أحياناً خط «المسموح تلفزيونياً». أما في المضمون، فثمة «مجزرة تاريخية» يرتكبها نجيم بحق وقائع وشخصيات مّرت عبر الزمن. هو يعمد إلى شخصنة التاريخ، وإعادة تركيبه وتقديمه للمشاهدين من جهة نظره الخاصة. يصنّف نجيم الشخصيات كما يراها، ويربط تواريخ ببعضها بحسب إعتقاده، فيظهر لنا التاريخ مغايراً. على سبيل المثال، طرح القضية الفلسطينية والفلسطينيين في لبنان أثار ريبة الجمهور، إذ أنّ نجيم يحاور إنطلاقاً من معتقداته ورؤيته للأمور. كذلك، طرح الإعلامي أسماء مهدي عامل وحسين مروة بين أسماء الاغتيالات في لبنان بطريقة لا تخلو من التلميح واللعب على قوافي الكلام. بالإضافة إلى إعتبار قضية تغييب الإمام موسى الصدر مسألة دينية، متبنياً فرضية واحدة دون عشرات الأسباب. يغالط نجيم التاريخ بطريقة تستفز الضيف والمشاهد معاً، فيصرّ على ضيفه بتحدٍّ للإجابة، فاقداً روحية المحاور المحبّب. حاول زياد نجيم معه «أو تي في» و«صوت الغد»، إستحداث قالب إعلامي جديد متمثلاً في الشراكة والجرأة، فنتج برنامج يلبس شخصية نجيم المتمردة والمستفزة، يطرح مواضيع جريئة لكنها تترنح بين الجرأة حيناً، والشخصنة أحياناً، فيقع المتابع في فخ التاريخ المشوّه والاستفزاز المتعمد.