في كل مرّة تقترب فيها من فقدان الأمل بالإعلام الفرنسي، تتحرّك بعض صحفه لتعيد الاعتبار للمهنة وأربابها في البلد. أول من أمس، أطلقت مجلة «ليكسبرس» L›Express الفرنسية نداءً مثيراً للاهتمام لبّاه عدد كبير من الإعلاميين والناشطين والكتّاب وفتح جدلاً سياسياً ـــ إعلامياً ـــ أخلاقياً في البلد.


نداء «ليكسبرس» كان عريضة «باسم المفكّرين والفلاسفة والباحثين والكتّاب والصحافيين وكلّ مواطن ملتزم» تدعو رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه ووزير خارجيته إلى قبول لجوء إدوارد سنودن الى فرنسا. أكثر من ٤٠ ألف موقّع (لحين كتابة هذا المقال) أيّدوا نداء العريضة بعد نشرها على الإنترنت (على موقع Change.org) وأرادوا أن تستقبل فرنسا «بلد حقوق الإنسان وحرية الصحافة»، كما جاء في العريضة، مسرّب المعلومات الأميركي كـ«لاجئ سياسي» على أراضيها.
٥٣ شخصية فرنسية بارزة من مهن متنوعة دعمت إطلاق العريضة، وكانوا من أوّل الموقّعين عليها ومن بينهم إدغار مورين (عالم اجتماع)، بيار بيرجي (مطلق مؤسسة بيار بيرجي ــ إيف سان لوران)، جاك لانغ (رئيس معهد العالم العربي)، برنار كوشنير (وزير الخارجية السابق وأحد مؤسسي منظمة أطبّاء بلا حدود)، بيار هاسكي (مؤسس موقع «رو ٨٩» الصحافي)، ميشال روكار (رئيس وزراء سابق)، مارسيل غوشيه (فيلسوف)... هكذا رأى هؤلاء أنّ من واجب الدولة الفرنسية تأمين ملجأ لسنودن «كاشف التعديات الاستخبارية على حريات الناس وخصوصياتهم» الذي «وضع المصلحة العامة للجمهور العريض فوق مصلحة الدولة» من خلال تسريب وثائق «وكالة الأمن القومي» الأميركية. توقيت التحرّك الإعلامي ذاك، يأتي في ظلّ اقتراب موعد انتهاء المهلة القانونية للجوء سنودن الى روسيا في ٣١ تموز (يوليو) المقبل، بعدما أمضى سنة فيها تحت حماية السلطات الروسية. المسرّب الأميركي الملاحق من قبل سلطات بلاده والمنفي منها أعاد قبل أيام تجديد طلباته للجوء الى عدد من الدول «الصديقة»، علماً بأن أي دولة أوروبية لم تتحرك لاستقباله منذ نفيه.
صحيفة «لو موند» شاركت أيضاً في هذه الحملة، لكن على طريقتها. نشرت مقالاً لمدير الأبحاث في «المجلس الوطني للأبحاث العلمية» المؤرخ باتريك فايل (أحد الموقّعين على عريضة «ليكسبرس»)، يقترح فيها على سنودن الطريقة المثلى لطلب نوع استثنائي من اللجوء الى فرنسا وهو «اللجوء الدستوري».
سياسياً، يبدو لافتاً أنّ «الحزب الاشتراكي» في فرنسا (حزب رئيس الجمهورية الحالي فرنسوا هولاند) وحزب «الاتحاد من أجل حركة شعبية» UMP يعارضان لجوء سنودن إلى باريس، بينما «حزب اليسار» و«الخضر» و«الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة» و«حزب القراصنة» يرحّبون بالأمر تحت شعار «من واجب فرنسا الأخلاقي حماية مسرّب المعلومات الذي هزّ العالم». أما الرافضون لتقديم الحماية تلك، فهم، الى جانب خشيتهم من كشف بعض أسرارهم السياسية، يخافون من تعريض العلاقات الفرنسية مع الولايات المتحدة للخطر.
هل يخضع السياسيون والدبلوماسيون لإرادة الإعلاميين والمواطنين هذه المرة؟ هل تستعيد فرنسا دورها السابق كملجأ للملاحَقين في بلادهم من دون مقابل سياسي تجنيه هذه المرّة؟ التصريحات السياسية الرسمية غير مطمئنة حتى الآن. أعاد رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس التشديد على «عدم تأييده» استقبال سنودن في فرنسا في مقابلة صحافية أمس مع «راديو مونتي كارلو». يذكر أنّ غلين غرينوالد الصحافي الأميركي الذي أخرج وثائق سنودن المسرّبة الى العلن، وقّع في باريس قبل أسابيع كتابهNo place to hide (دار Metropolitan Books) المترجم الى الفرنسية. غرينوالد حلّ ضيفاً على معظم الشاشات الفرنسية في مقابلات حول كتابه وقضية سنودن، كما غطّت أغلبية الصحف حدث التوقيع وصدور الكتاب «التاريخي» كما وصفه بعض الصحافيين.