صنعاء | منذ انطلاقته في معرضه الأول (2001)، ظهرت إشارات خجولة للفنان اليمني ناصر الأسودي (1978) توحي بأنه يسعى إلى خلق علاقة مختلفة في دائرة الاشتغال الحروفي؛ واستنطاق الحرف وجعله متحدثاً بنبرته الخاصة، وحاملاً فكرة وعاطفة ومزاجاً شخصياً ومشاعر. تحريك الحرف من منطقة السكون التي يقيم فيها مستقراً على هيئة شكل مُصمت وجامد، ونقله إلى بيئة لونية وتشكيلية مغايرة تمنحه قدرة التحول لكيان يحمل لغة على المستوى البصري. استمر الأسودي في مشروعه «الحروفي» متقدماً في تطوير إشاراته في الدائرة نفسها، ولم ينشغل بغيرها، إذ يعتبر الأسودي نفسه الحرف «وسيلة للتعبير عن المشاعر والأفكار والأحاسيس من دون أن ترتبط باللغة».


في معرضه الأخير «دخول» الذي احتضنته قاعة «المعهد الثقافي الفرنسي» في صنعاء، قدم الفنان مجموعة تشكيلية ونحتية تشير إلى نقلة فارقة في سياق الاشتغال الحروفي الذي انتهجه صاحبها ليُظهر الحرف من زاوية لا تشير إلى كيانه الحقيقي الصامت بقدر ما يُظهر شكلاً تكوّن في ذاكرة الأسودي، وعكسه محتوياً على حالة جمالية خاصة به. تفلت من أي اعتبارات تشكيلية التزمت على الدوام مبدأ المحمول التراثي المميّز للحرف كموروث ثقافي عربي خالص، ذاهباً لتقديمه على هيئة رمز له هوية خاصة حديثة.
من هنا قد تظهر حالة اجتهاد ضاربة تسعى إلى خلق اقتراحات بديلة من تلك المتعارف عليها، وتتعامل مع الحرف على أساسها معتمدة استقلالية فنيّة واقتراح موضوعات مختلفة عن السائد التشكيلي المحلي، واتخاذه لتجربة شخصية متفردة غير مسنودة أو ملتزمة أي اتفاقات جماعية عُرف بها الوسط التشكيلي اليمني غالباً، وتتعمد تطويع الموروث الشعبي وتحويله إلى أشغال فنيّة تحتوي على سمات تجارية واضحة تمنحها طريقاً سهلاً للوصول إلى أيدي مقتنٍ غربي. كما يبدو لافتاً عدم تورط الأسودي في هذه اللعبة رغم إقامته منذ سنوات في مارسيليا الفرنسية، والتصاقه بتجارب بصرية وتشكيلية مغايرة وجديدة عليه، متخلياً عن فكرة اعتبار الموروث الشرقي بضاعة رائجة لا تعجز عن خلق سوقها. نراه فقط وقد استفاد من كل هذا في قدرته على استيعاب تيارات تشكيلية حديثة منحته فرصة الدخول في لعبة تجريد واضحة ومتخففة من أي ضوابط تقليدية، متخلياً عن الإطار التراثي ومتمسكاً بخيار وضع الحرف في بيئة حداثية نهائية، لكن مع حرصه على بقاء اشتغاله في المناخ الشرقي وإن ليس بشكل منكشف تماماً. كأنه يريد أن يتفرغ لمهمة تقديم اقتراحات تعمل على خلق إمكانية لتضمين الحرف بعداً فكرياً يسحبه من شكله البدائي الذي كان يقيم فيه، وأخذه إلى أرضية جديدة تعتمد الترميز لا الإفصاح. وهو ما سيعمل على تحويل اللوحة من المستوى الشكلي والجمالي إلى منطقة دافعة للتأمل والتفكير. هكذا، نرى الحرف حاضراً بكتلة غير واضحة تماماً بما يعطيها مضامين ثقافية تتولد في ذهن المتلقي تدريجاً. وهذا على عكس ما كان في السابق حيث يظهر الحرف كمنجز جمالي فقط يجرى التعامل معه في إطاره الشكلي الكلاسيكي المتعارف عليه. كأنها محاولة أيضاً لترك المادة ذاتها ممتلكة لقدرتها على التعبير الخاص بها. يعترف الأسودي بأن هذه الطريقة قد تبدو مناسبة لمنحه فرصة التخليّ عن الضوابط القديمة التي كانت تمسك بمسار دوران الحرف على اللوحة وامتلاك شكله النهائي الذي لم يكن يختلف عن الاشتغالات الماضية، «حيث يبدو الأمر دوراناً في الدائرة ذاتها»، بحسب تعبيره.
مع ذلك، لا يعتقد هذا اليمني المهاجر أنه وصل إلى الشكل النهائي لمشروعه التشيكلي الجدي. يقول: «ما زلت عند بداية الحرف الأول أو النقطة التي يعتمد فيها الحرف على تكوينه الخاص»، ذاهباً باتجاه الأفكار الجديدة التي لم تكن مطروقة من جهته وعثر عليها في مقامه الفرنسي الذي صار وطناً تشكيلياً لم يكن في باله ولم يكن مخططاً له. بين الرحلتين اليمنية والرحلة التي صار فيها، يمكن بوضوح ملاحظة النقلة التي أنجزها في ما يخص الحرف وإزاحته من منطقة الشكل المجرد إلى فضاء الفكرة والمضمون ليصير ذلك الحرف ممتلكاً لإشارات نحو معنى ما غير مكتمل بالضرورة، عبر ترويضه وجعله طيّعاً ومُحتملاً لإعادة إنتاجه في مسطّح مفتوح، محتوياً فقط على تشكيلات حروفية تحمل قدرتها على فعل إطارها المتخيل.
تحضر فكرة إلغاء الإطار أيضاً في خمسة نماذج تكوينية من البرونز وضعت في فراغات متباعدة من بنية المعرض، ويمثل الحرف بطبيعة الحال صلبها الرئيس في غياب التعدد اللوني الذي تفرضه طبيعة المادة الخام للبرونز نفسه. فكرة الإلغاء ذاتها قد تبدو، ربما، بداية لرحلة جديدة.