في يوم 8 نيسان (أبريل) 1994، أُصيب عشاق كورت كوبين (1967) بالصدمة. المغني وعازف الغيتار في فرقة «نيرفانا» وُجد جثة في منزله في سياتل، وبالقرب منه رسالة وسلاح. بعد مرور 20 عاماً على وفاته، ما زال أحد أشهر فناني الروك يثير الاهتمام والتساؤل. وفاة كوبين تبقى لغزاً لبعضهم. في حين أن الشرطة أغلقت الملفّ في القضية معتبرة الموت نتيجة انتحار، يصرّ آخرون على أن كوبين كان ضحية اغتيال. ينتمي الموسيقي والفنان الأميركي الى مجموعة فنانين ماتوا في عمر مبكر، باتوا يعرفون بنادي الـ27، انضمّت إليهم أخيراً إيمي واينهاوس (1983 ــ 2011). ورغم قصر مسيرتهم، تمكّن هؤلاء من ترك بصمة كبيرة في الإطار الذي نموا فيه.


قد يكون رحيلهم باكراً زاد من أهمية أعمالهم، فلم ينجروا الى التكرار أو الى الشح في الافكار والإبداع. من لا يذكر الـ«تي شيرت» المطبوعة برسوم «نيرفانا» التي بدأت تتفشّى فجأة بين المراهقين في تسعينيات القرن الماضي؟ بمعزل عن الموسيقى، شكّل كورت كوبين وفرقته رمزاً لجيل كامل، وأثّرا فيه، حتى في ذوق الملابس والـ«لوك»، وكانت موسيقاهم تعبّر عن هموم هذا الجيل.
كلّ من ألبومات الفرقة كان متعلقاً بمرحلة ما في حياة كورت كوبين، منذ طفولته ومراهقته حتى بحثه المجنون عن الحب الى الغضب واليأس اللذين تملكانه في نهاية حياته القصيرة. في تلك الفترة، كان الروك يفتقر الى صوت مميز وعمق معيّن في الأغنيات. حمل كوبين معه هذه الروح الجديدة عندما قرر الانتقال من أبردين، في وقت كانت فيه الساحة الموسيقية، خصوصاً الروك، تحتاج الى ما ينشّطها من جديد. خلافاً لما يروّج له، لم يعرف كوبين أول نجاحاته في سياتل. كريست نوفوسيليك وهو استقرّا أوّلاً في أولمبيا حيث كانا يعيشان عندما تصدّر ألبوم Nevermind المراتب الأولى في عام 1991. ثمّ ذهب المغني الى لوس أنجلس ليستقر أخيراً في سياتل. لا يمكن الحديث عن تقنية عزف أو موسيقى مبتكرة، في أعمال «نيرفانا». سرّ الفرقة كان بالأحرى الصدق في إيصال مشاعر الغضب والحزن.
أما شخصية كوبين، فكانت مليئة بالتناقضات والصراعات. في الوقت عينه كان يرغب في نشر موسيقاه وحصد النجاح، لكنه لم يكن يحلم يوماً بالشهرة الواسعة التي حصل عليها مع فرقته. هو كان مقتنعاً بمبدأ إنجاز الموسيقى لنفسه. لم تكن «نيرفانا» تريد أن تشبه غيرها من فرق الروك، لكنها اضطرت في نهاية الأمر الى التنازل قليلاً عن ذلك، بالرضوخ لبعض متطلبات المرحلة. آخر تسجيل أكوستيكي للفرقة لدى «أم. تي. في.» أثبت قوّة مفعول أعمال «نيرفانا»، حتى من دون التأثيرات الصوتية الصاخبة التي تميّزت بها تسجيلاتها السابقة. في تلك المرحلة، كان هناك أشبه بتقليد سائد يقضي بتسجيل فرق الروك مع محطة «أم. تي. في.» الموسيقية من أجل تكريسها جماهرياً.
كثيراً ما يُنسب نمط الـ«غرانج» إلى فرقة «نيرفانا». في الواقع، أساس الـ«غرانج» يعود الى ثمانينيات القرن الماضي. ومن خصائصه صوت غيتار يشوبه التشويه والصخب، ويدمج بين عناصر من البانك والـ«هيفي ميتال». كورت كوبين أسهم في جعل هذا النمط أكثر شعبية ونجاحاً على المستوى التجاري، خصوصاً عبر ألبوم Nevermind. من جهة أخرى، Smells Like Teen Spirit هي على الأرجح أبرز أغنيات الفرقة. قال كوبين مرة إنها محاولة تأليف متأثرة بأسلوب فرقة «بيكسيز» التي كان يعشقها. فيها نلاحظ تنقلاً مستمراً بين مقاطع هادئة ناعمة وأخرى قوية وصاخبة.
منذ شهر آذار (مارس)، تحتضن باريس معرض صور بعنوان «جلسة التصوير الأخيرة» (يستمرّ حتى تموز/ يوليو في «غاليري أديكت») التُقطت خلال زيارة كوبين للعاصمة الفرنسية. كان ذلك قبل انتحاره بشهرين. ضمن تلك الصور، نرى لقطات شهيرة للمغني مع مسدّس. في ذكرى مرور 20 عاماً على رحيله، تبقى جلسة التصوير الأخيرة تلك أشبه بنبوءة حول نهاية مأسوية محتّمة.


addictgalerie.com