الرباط | في منزله في الرباط، كتب المهدي المنجرة الفصل الأخير من حياته بعدما اختفى عن الظهور لسنوات بسبب المرض والتغييب المتعمّد من قبل الدولة بسبب جرأته وانتقاداته اللاذعة لها. ودّعنا المهدي بعدما أنذرنا ببشاعة هذا العالم وتنبأ بجزء من الخراب العظيم الذي نستهلكه يومياً.


فرض عليه الإعلام الرسمي طوقاً منذ سنوات. لم يكن يذكر اسم «السي المهدي» في أي مناسبة. بعد الطوق الذي فرضه النظام على محاضراته التي كانت تواجه غالباً بسلاح المنع، خوفاً من شجاعة الفكرة التي لم تكن تهادن بنية نظام مستبد. حوصر حتى في مرضه، وترك ليعيش عزلة قسرية في محاولة لدفن إرثه ونتاجه الفكري. هو الذي عاش مسكوناً بهاجس الوطن متألماً من سيره إلى المجهول من دون رؤية مستقبلية لدى الحكام. نتذكّر هنا قوله: «أتحدى أي شخص أن يعطيني رؤية شاملة حول مستقبل المغرب. للأسف الكل مشغول بالآنية وما يسمى بالانتقال. وأنا أتساءل الانتقال إلى أين؟ كل إصلاح حقيقي يأتي من معالجة عين المشاكل وليس مظاهرها فقط. هذا الفرق بين الإصلاح والترقيع. الغاية هي استرجاع جزء من حرية التصرف في أنفسنا بالنسبة للحكم المحلي والخارجي كبداية احترام حقيقي لحقوق الإنسان والتحرر الثقافي والسياسي من هيمنة الاستعمار الجديد وعولمته. وهذه الأهداف لا يمكن الوصول إليها إلا بعد التغلب على عقدة النقص والسلبيات في تركيبنا العقلاني».
بعدما عاش حياته منفياً محاصراً وممنوعاً من التواصل مع جمهوره سواء عبر الإعلام أو في الجامعات، ها هي التعزية الملكية تنطق مستحضرةً بـ«حزن» مناقب الفقيد. الآن فقط، فقد المغرب أحد رجالات الفكر وأحد المناضلين المخلصين في الدفاع عن حقوق الإنسان والمساهمين في تكوين الأجيال المغربية التي تتلمذت على يديه. أوليس القدر ساخراً حين يصبح محاربوك أول السائرين في جنازتك؟
يعتبر المهدي المنجرة مرجعاً في عالم دراسات المستقبليات في العالم، وأحد المدافعين الشرسين عن تحرّر دول الجنوب من هيمنة دول الشمال، ومنافحاً عن قضايا الشعوب المقهورة، ومناهضاً للصهيونية ورافضاً لفكرة التطبيع مع إسرائيل. وخبر كواليس المنظمات الدولية العالمية، وصرخ من داخلها مندداً بكثير من مواقفها المتحيزة ليقرر الانسحاب منها لأنّ مشروعه العلمي والفكري كان أكبر من أن يدفن في مؤسسات تحكمها الحسابات، وتنحاز للدول الكبرى على حساب المقهورين. لم يكن ممكناً للمنجرة أن يستمر داخل منظمات زكّت الفكر الواحد رافضة الاختلاف ولم تعترف للشعوب بحقها في التنمية.
في آذار (مارس) من عام 1933، أبصر المهدي المنجرة النور لعائلة ميسورة في الرباط. تعرض للاعتقال منذ سنوات شبابه الأولى بسبب مناهضته للحماية الفرنسية، وطرد من ثانوية «ليوطي» في الدار البيضاء وقبلها ثانوية «ديكارت» في الرباط قبل أن ينتقل للدراسة في الولايات المتحدة بعدما اقتنع والده أن الحل الوحيد هو أن يغادر المهدي أرض الوطن. من أشهر مؤلفاته «الحرب الحضارية الأولى» الذي تنبأ فيه بنشوب الصراع بين الشمال والجنوب الذي بدأت أول ملامحه خلال حرب الخليج الأولى، وكتابه الشهير «الإهانة في عهد الميغا إمبريالية» (2004) الذي توقع فيه بحدوث انتفاضات جديدة في الوطن العربي. وكتب في مقدمة طبعته الثالثة: «إن الانشغال المركزي لهذا الكتاب يمكن تلخيصه في كلمة واحدة هي الإهانة (...) إنّ القوى العظمى في العالم، والولايات المتحدة على رأسها، تهين شعوب العالم الثالث وحكامها الذين يتقبلونها من دون اعتراض قبل أن يهينوا بدورهم شعوبهم. هذه الشعوب تتلقى إذن إهانة مزدوجة تضاف إليها إهانة ثالثة عندما يمتنع المرء عن إبداء أي ردة فعل. يحق لنا على هذا الأساس أن نتحدث عن ثقافة الإهانة أي عن النظام السياسي- الثقافي الذي يستغل انعدام المساواة في معادلات القوة في الداخل كما الخارج. الإهانة تتأتى من إرادة طوعية تستهدف خدش كرامة الآخرين وليس فقط السيطرة عليهم. إنها من بين أكثر الظواهر عولمة هذه الأيام من لدن الذين يفرزونها ويرعونها. إنها كذلك من بين أقل الظواهر عرضة للتنديد والاستنكار من لدن الحكام كما من لدن الشعوب المهانة كما من لدن الرأي العام الدولي».