يأخذ تكريم الفنان أشكالاً عدّة، أكثرها شيوعاً الأوسمة التي تمنحها السلطات الرسمية. لكن التكريم الأعلى مقاماً الذي يستحقّه الفنان الحقيقي هو حفظ أعماله ونشرها بطريقة جدّية. هذا يمنحه حقّه في ترك بصمة ملموسة في إرث وطنه الفنّي ويقدِّم للأجيال الآتية مادةً يركن إليها إن أراد التعرّف إلى تاريخه الثقافي. أمّا الأوسمة قبل الوفاة أو بعدها، فلا قيمة لها ما لم تترافق مع توثيق محترم للنتاج الفنّي.

قبل بضعة أسابيع، كرّم «المعهد الوطني العالي للموسيقى» في لبنان الفنانة الثمانينية نجاح سلام (1931 — بيروت). المطربة العربية ليست بحاجة إلى تعريف. فهي من أشهر رموز الغناء العربي بكل أشكاله وتوجهاته في النصف الثاني من القرن الماضي، ومسيرتها الفنية غنيّة بالنجاحات الشعبية، تحديداً في لبنان ومصر وسوريا وفلسطين. حياتها وأعمالها تناولتها الصحافة العربية مرات عدّة. وفي هذا الصدّد يمكن مراجعة المقالَين الشاملَين اللذين كتبتهما الزميلة عناية جابر في «الأخبار» السنة الماضية (16 يناير و29 أكتوبر 2015). صوتها ليس بحاجة إلى شهادة منّا: قوته وتهذيبه لا يختلف اثنان حولهما. أما نبرته فمقاربتها شخصية، تختلف بين ذائقة وأخرى، والأذواق — كما تعرفون — لا تناقش. أمّا موقفها السياسي، فبات عملة نادرة اليوم، حيث لا مكان للعروبة لا في الصراع السنّي/ الشيعي ولا في الخلاف "العقائدي" بين الاعتدال (الملقّب بـ"الارتهان للسعودية وأميركا") والممانعة (الملقّبة بـ"الارتهان لإيران وروسيا").

كتيب أنيق يتضمّن نصاً شاملاً بقلم سمر محمد سلمان

التكريم الآنف ذكره حصل برعاية وزارة الثقافة وبدعوة من رئيس "المعهد الوطني العالي للموسيقى" بالتكليف وليد مسّلم، وتخلّلته أمسية غنائية أحيتها "الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق — عربية" و"كورال الغناء العربي" بقيادة أنطوان فرح. في الواقع، الحفلة هذه تعتبر شكلية في علمية التكريم وتأثيرها آنيّ، ويكفي فقط أن تكون محترمة وتليق موسيقياً بالفنان. أما التأثير اللاحق للتكريم، فتكفّلت به أسطوانة بعنوان "نجاح سلام — صوت العروبة" وهنا بيت القصيد. فـ"وزارة الثقافة" والـ"كونسرفتوار" والجهات التي عملت على هذا التكريم لم تستطع إنتاج سوى: قرص مدمج، عليه 40 عملاً لنجاح سلام، المادة الصوتية محفوظة على شكل داتا MP3 (مرض العصر، كما يسمّيه الألمان)، والأسطوانة غير مخصّصة للبيع! أي، من النوع الذي لا يتخطى ما يصلح لتوزيعه على الصحافة في مناسبات كهذه. يعني عملياً أن الدولة لم تتكلّف فلساً واحداً على التكريم، فالحفلة تأتي ضمن وظيفة الأوركسترا التي تقدّم دورياً أعمال نجاح سلام وسواها وتكاليف عملها يدفعها المواطنون من خلال الضرائب. هذا في الشكل، وفي الشكل أيضاً، نرصد أخطاء في ترقيم العناوين (بين "عايدة ياختي يا فلسطينية" و"نسور الجو") ونلاحظ أن الأعمال المختارة لم ترفق بأسماء الملحنين والشعراء أقلّه، إذ طبعاً لن نطالب بلائحة بالموسيقيين المشاركين في التسجيلات ولا بذِكر سنة التسجيل ولا مهندس الصوت والاستوديو ولا غيرها من التفاصيل التقنية التي طالما أهمِلَت في الوطن العربي. أما المضمون، فليس أفضل حالاً: الأعمال وَرَدَت كما هي، إذ لم تتم معالجتها لناحية تنْقِية الصوت (أقلّه الأغاني الرديئة التسجيل مثل "غزالي"، "الدنيا جمال"، "أين يا أيام"، "أحن شوقاً"،…) ولم يتم تفادي تلك التي تشوبها مشاكل نافرة ("ليالي الهوى"، "يا عايدة ياختي يا فلسطينية" و"لبنان درّة الشرق" و"اليوم النصر"). حسناً، إن كان هذا الشغل على الصوت مكلفاً ويتطلّب وقتاً وتقنيات، لماذا لم يتم تحاشي الأعمال التي يتدنّى مستواها الفنّي إلى "غير قابل للنشر"؟! نحن لا نتكلّم عن أغنية "يا زمان الوفا" التجارية وهي هفوة لا تليق بفنانة مثل نجاح سلام (وقد حصل ذلك مع كبار غيرها على رأسهم الراحلة وردة الجزائرية)، بل عن مقطع من حفلة تجمع نجاح سلام بزوجها الفنان محمد سلمان في دمشق 1958. إنها عبارة عن مبارزة بين الشريكَين بالعتابا والميجانا، مليئة بأبيات رديئة القوافي (قواف غير متطابقة، تكرار الكلمة والمعنى ذاته…) وضعيفة المعاني ولا تحترم التقطيع الصحيح (التفعيل). إن فائض الحماس عند الفنان أمام الجمهور يوقعه أحياناً في الخطأ أو يدفعه إلى الخروج المرتجَل عن البرنامج (وهذا طبيعي ويحصل مع الجميع)، لكنّ هكذا لحظات، رغم عفويتها، لا يجوز توثيقها، فذلك يسيء إليه وإلى الأجيال المقبلة!
حسناً، لنكن طيّبي النية ولنقل إن "نجاح سلام — صوت العروبة" ليس سوى بيان صحافي من النوع الخاص، يحوي كتيباً أنيقاً يتضمّن نصاً بقلم سمر محمد سلمان (وهو بالمناسبة ممتاز وشامل) ومادة صوتية تساعد الصحافيين على تذكير الناس في وطننا العربي بالفنانين المخضرمين. بالتالي إذاً، عندما يقرأ المرء مقالاً عن نجاح سلام، يهمّ إلى أقرب متجر ويشتري أسطواناتها المُعاد طبعها على أقراص مدمجة بمبادرة من الدولة وبدعم من جهات خاصّة (شركات إنتاج وتوزيع). في هذه الحالة، ما كنّا لنقارب الموضوع من هذه الزاوية. لكن، هل تعرفون أين نجد أغنية واحدة لنجاح سلام (نقصد تسجيلاً أصلياً وليس مُقرصَناً) لكي نكتب عن نجاح سلام ونحمّس الجيل الجديد للتعرّف إليها والجيل القديم لاستعادة ذكرياته؟