القاهرة | «جوائز الدولة في مصر، تشبه الدولة الآن». بهذه العبارة الدالة، علّق أحد موظفي وزارة الثقافة على اللائحة النهائية لأسماء الفائزين في جوائز الدولة التشجيعية والتقديرية، وجائزتي التفوق والنيل في مجالات الفنون والعلوم الاجتماعية والآداب أول من أمس. عكست اللائحة ارتباكات مجتمع يراوح بين مسار ثوري رفع سقف مطالبه، وأداء رسمي يعرقل هذا المسار، ثم شملت اللائحة أسماء يمكن إيجازها بعبارة «سمك لبن تمر هندي».


عكست مواقع التواصل الاجتماعي تحفظات بالغة على الفائزين، كأنّ لسان حال المنتقدين يردد عبارة في أغنية مريم صالح «دعونا نعشق وطن العك». القبول الواسع لفوز الباحثين والفنانين الشباب في جوائز الدولة التشجيعية مع ظهور أسماء متميزة مثل حسام نايل (الترجمة)، وعماد هلال (تاريخ)، وسامية حبيب (نقد مسرحي)، نسمة عبد العزيز (عازفة ماريمبا)، محمود حنفي (ديكور) أفسده حصول الشاعر عزت الطيري على الجائزة في المسرح الشعري، كونه تجاوز سن التشجيع وبلغ عامه الـ 63. عدا أنّ وزارة الثقافة أصدرت أعماله الكاملة العام الماضي، بالاضافة الى انقسامات من نوع آخر حول جدارة مشروعه الشعري بالتشجيع.
من ناحية أخرى، جاء فوز الشيخ أحمد عمر هاشم بجائزة النيل (نحو 50 الف دولار أميركي) وهي أرفع الجوائز المصرية في العلوم الاجتماعية بعد منافسة مع أستاذ الفلسفة البارز حسن حنفي، ليؤكّد أكذوبة مساعي الدولة في التخلص من دعاة الدولة الدينية والاستبداد. هاشم نفسه كان قد لعب الدور الأكبر في تحريض طلاب «جامعة الأزهر» التي كان يترأسها ضد رواية «وليمة لاعشاب البحر» للكاتب السوري حيدر حيدر في أزمة عنيفة واجهتها الثقافة المصرية مطلع الألفية الثالثة، وعبّرت عن أقصى درجات الاستقطاب بين دعاة الدولة المدنية ورموز الدولة الدينية. بدا واضحاً للجميع أنّ التصويت في «المجلس الأعلى للثقافة» لا يزال محكوماً بمعايير ترتبط بالنفوذ الإعلامي أكثر من ارتباطها بالجدارة العلمية، والدليل خروج حنفي من عملية التصويت لصالح الازهري. الأخير أيضاً كان من أبرز الداعمين لاستبداد مبارك بفتاويه الدينية خلال توليه رئاسة لجنة الشؤون الدينية في البرلمان المصري لأكثر من عقدين خلال فترة حكم الرئيس المخلوع. وطلب هاشم الدعم من الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي قبل بدء الجلسة قائلاً له: «انا وقفت جنبك السنة اللي فاتت. بلاش تنساني السنة دي» في اشارة دالة على مخاطر قيام اعضاء المجلس للتصويت لأنفسهم.


حرّض أحمد هاشم ضد الكاتب
حيدر حيدر، وكان أبرز الداعمين لاستبداد مبارك بفتاويه


في المقابل، قلّل فوز الكاتب ادوارد الخراط وفنان الكاريكاتور البارز أحمد طوغان المناهض للصهيونية بالجائزة نفسها في فرعي الآداب والفنون من الأثر السلبي الذي أحدثه فوز هاشم. ومن المتوقعّ أن تعيد الجائزة الخراط الى المشهد الأدبي بعد سنوات من الاحتجاب اثر مرض عضال. كما من المتوقع أن تنصف الجائزة طوغان الاب الروحي لرسامي الكاريكاتور المعاصرين. وكان الاجتماع المارثوني للتصويت على المرشحين بدأ بداية درامية في الصباح مع إعلان الامين العام لـ«المجلس الاعلى للثقافة» سعيد توفيق استقالته من المنصب الرفيع بسبب عدم رغبته في التعاون مع وزير الثقافة الجديد جابر عصفور. وتناول توفيق في استقالته ما أسماه «المآخذ على تاريخ عصفور المهني من قبل الكثير من المثقفين الشرفاء المتجردين من الأهواء والمصالح». وانتقد جملة من الإجراءات الادارية التي اتخذها وزير الثقافة الجديد، معتبراً أنّها تتعدى على مسؤولياته، وأوضح أنّه قبل الاجتماع، كان عصفور ينوي إسقاط لائحة منح جوائز الدولة الموضوعة بهدف إيجاد آلية موضوعية دقيقة لمنح الجوائز التي تليق باسم الدولة المصرية، بحيث لا يتم ترشيح أسماء للتصويت عليها في المجلس إلا من خلال الخبراء المتخصصين في المجال النوعي للجائزة. وقال توفيق: «تأكد لي من خلال طلب عصفور قبل توليه الوزارة أن أعرض قائمة الأسماء كاملة، وليس مجرد الأسماء التي رشحتها اللجان العلمية المتخصصة، بعدما علم أن اسمه ليس من بين هذه الأسماء». زعم لم يعد له محل في الاعراب بعدما أعلن عصفور سحب اسمه من لائحة المرشحين لجائزة النيل في الآداب بسبب تعارض الترشيح مع منصبه الوزاري.
وبخلاف هذا الحدث الدرامي الذي نال حظه من سخرية المثقفين على مواقع التواصل نظراً إلى الأداء السلبي الذي شهده «المجلس الاعلى للثقافة» خلال فترة رئاسة سعيد توفيق له، مرّ اجتماع جوائز الدولة بهدوء. عرض عصفور ملامح المرحلة المقبلة من عمله، واصفاً إياها بمرحلة تنفيذ السياسات الثقافية الكبيرة من خلال المثقفين بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم «لأنّها حجر الأساس في المنظومة الثقافية التي سنعمل على تغييرها، وكذلك الوزارات المعنية بالشأن الثقافي»، مضيفاً أنّه في الفترة المقبلة، ستُنجز تقارير عن أداء قطاعات الوزارة كافة، مشدداً على أنّه لن «يبقى قائد أو قيادة كسولة في الوزارة».




رد الاعتبار

تعكس لائحة الفائزين في الجوائز الأخرى منطق «التعويض بنظام المعاش المبكر»، إذ ذهبت إلى عدد من الفائزين كشكل من الرعاية الصحية أو رد الاعتبار أكثر من معايير الاستحقاق. فاز بجائزة الدولة التقديرية في الفنون المخرج التلفزيوني مجدي أبو عميرة. واستُبعد السينمائي الكبير سعيد مرزوق من هذه الجائزة التي فاز بها أيضاً الناقد التشكيلي عز الدين نجيب، والممثل سناء شافع (لسبب غير معلوم) نظراً إلى صلته الوثيقة بفوزي فهمي الرئيس السابق لـ «اكاديمية الفنون». وفي الآداب، فاز الراحل أحمد عتمان الذي نال هذا العام ايضاً جائزة «العويس». كما فاز الروائي الستيني مجيد أسحاق طوبيا الذي يرقد على سرير المرض منذ أكثر من عامين، كما ذهبت للشاعر محمد أبو دومة، المريض هو الآخر. وذهبت تقديرية العلوم الاجتماعية لاستاذة الاعلام عواطف محمد عبد الرحمن، والمؤرخ محمود اسماعيل، والباحثة في الادب الشعبي نبيلة ابراهيم، واستاذة الاجتماع نجوى أحمد الفوال. ونال جائزة التفوق في الفنون المخرج مجدي أحمد علي، وحجبت الثانية. وفي الآداب، فاز الشاعران محمد فريد أبو سعدة، وسمير عبد الباقي. وفاز في العلوم الاجتماعية معتز عبد الله وحسن السعدي والاثري محمد محمد مرسي الكحلاوي.