ليست الصحافة الميدانيّة رحلة استجمام، كما نعرف جميعاً. فكيف بالأحرى حين يكون المراسل في دائرة الخطر، أو في قلب الكارثة؟ هذا ما حدث للزميلات والزملاء الذين هرعوا إلى الطيّونة، ليلة أوّل من أمس، بعد أن لعلعل الدويّ الآثم في ليل بيروت المستسلمة لمصيرها، فانقلبت هتافات أنصار «البرازيل» (أو سواه) صراخاً وعويلاً.


كل الأنظار تسلّطت عنوةً على أولئك الواقفين في الخط الأوّل، يبحثون عن معلومات وشهادات، وسط ذهول الجماعة وغضبها، وهلوساتها أحياناً، وانفلاتاتها أحياناً أخرى. لكنّ تحيّة الاعجاب والاحترام التي ندين بها لهؤلاء، خصوصاً للمهنيّيين والمحترفين بينهم، لا تمنع من طرح الأسئلة: فالبث المباشر يعرّض الكاميرا النهمة الباحثة عن كلّ مشوّق ومثير، لمنزلقات كثيرة. وكذلك حامل الميكرو الواقف في الدوامة، تحت ضغط الجثث والجرحى والركام، وإلحاح الاستوديو طلباً للمعلومات الفوريّة والسبق المميّز. في ليل الطيونة سمعنا مواطنين مجروحين ينزلقون ولو بشكل مبطّن، إلى فخّ الفتنة المذهبيّة. هل على المراسل أن يترك أي شخص يقول أي كلام، أم يمكنه أن يتدخّل ليحوّر الموقف، أو يردّ بلطف وتودّد ويناقض بلياقة ويستنكر بلباقة وحزم؟ هل على التلفزيون أن يعرض المشاهد الصادمة، حين تكفي الاشارة إلى وجودها؟ على «الجديد» اعتذرت سمر أبو خليل في الاستوديو عن منظر الاشلاء الذي تفرضه «الضرورة». ثم في ختام فترة الهواء المفتوح، رجت زميلها مالك الشريف على الأرض ألا يعود فيرينا تلك الأشلاء، رأفة بانسانيتنا وأعصابنا، فهز برأسه صاغراً، وانقذانا من جرعة عنف زائدة. نعم، الاعلامي يملك زمام المبادرة، ويمكنه أن يختار بإسم معايير أخلاقيّة، حتّى في حمأة الأحداث.