الحصيلة النهائية لتفجير الطيونة، أول من أمس، رست على شهيد شاب من الأمن العام وحوالى 20 جريحاً. حصيلة كان يتوقع أن تصل الى حدّ مجزرة تطال العشرات الذين كانوا متجمهرين على الطريق وفي مقهى «أبو عسّاف» الواقع على أحد الأرصفة. رسا التفجير على هذا الواقع، فيما «تفننت» بعض وسائل الإعلام في صنع واقع مغاير مليء بالترهيب، والأهم مواصلتها خرق الأخلاقيات المهنية واختلاق الروايات المتضاربة وضعضعة المشاهد، من دون أي مراعاة له ولا للمهنة نفسها. خرق أحدثه المراسلون أنفسهم أو حصل من خلال لجوئهم هذه المرة الى ما يسمى «شهود عيان» الذين زادوا الطين بلّة.


أول من أمس، فيما كانت الكرة تدور بين البرازيل والكاميرون ضمن مباريات كأس العالم، والمشجعون محتشدون في المقاهي وعلى الشاشات، دوّى انفجار عند منتصف الليل بجانب حاجز الجيش اللبناني في منطقة الطيونة، على المدخل الشمالي لضاحية بيروت الجنوبية. بدأ الخبر بصيغة العاجل على القنوات المحلية التي قطعت برمجتها لتواكب الحدث. صيغته الأولية كانت صوراً ثابتة بثها الناشطون والموجودون على مقربة من الانفجار، بدأ بعد ذلك توالي مراسلي القنوات الى الميدان. لعل تغطية انفجار الطيونة تعتبر من أسوأ التغطيات الإعلامية وأكثرها استخفافاً وضرباً بمعايير المهنة. المنافسة احتدمت كما في كل مرة بين «الجديد» و«المؤسسة اللبنانية للإرسال». هذه المرة، تسابقت كل منهما على اللحاق بأشلاء الانتحاري الذي روّج له بداية بأنه امرأة. «الجديد» نزلت بثقلها الى مكان الانفجار مع مراسليها نانسي السبع ومالك الشريف، وكذلك lbci مع فراس حاطوم بداية وبعده تسلّمت رنيم أبو خزام دفّة التغطية. كاميرا «الجديد» ما فتئت تتعقّب الأشلاء المتطايرة على الجدران، وفي الأيدي وزادت عليها عرض صورة للانتحاري متفحماً مع تعقيب يشي بالاعتذار، لكن «مضطرين لأنّ هذا هو الواقع». بعد وقت متأخر، تنبّهت القناة إلى فداحة ما تبثه، فقطعت هذه المشاهد. أيضاً، لم تتردّد مراسلة lbci أبو خزام في عرض صور الانتحاري من هاتف أحد الشهود الموجودين هناك مباشرة على الهواء.


البث المباشر أوقع القنوات في التهويل والروايات المتضاربة والمشاهد القاسية


الخضة التي أحدثها هول الانفجار، استكملته هذه الشاشات ومواقعها الإلكترونية بنسج أرقام غير حقيقية للإصابات والضحايا، من دون الاستناد الى مصدر طبي يقطع الشك باليقين. وكما جرت العادة، استنسخ بعضها من بعض الخبر المتداول. أوردت «المستقبل»، وlbci وmtv خبر «سقوط 3 شهداء، وأكثر من 20جريجاً». بعدها، نشرت otv نقلاً عن الأمين العام للصليب الأحمر اللبناني جورج كتاني نفيه «وقوع أي شهيد»، فيما كانت «إصابات الجرحى طفيفة». واللافت هنا هو التناقض الذي عاشته lbci في إيرادها مصطلح «قتلى» على شاشتها، بينما تبنّت مصطلح «شهداء» على صفحاتها الإلكترونية. ومن ضمن التسرّع أيضاً في هذه التغطية تبني رواية السيارة المفخخة التي عممت أوصافها وتفاصيل سائقها كاملة على الهواء، ليتبيّن لاحقاً أن لا دخل لها بالتفجير. هذا التضعضع في التغطية ولّد تهويلاً على المشاهدين، مع الاستهتار بساحة الجريمة وغياب تام لأي مسؤولية مهنية يفرضها الحدث. آخر «البدع» هو الاتكاء المفرط على شهود عيان. ربما قد تساعد هذه الشهادات في توضيح الصورة بشكل أكبر، كما لجأت إليها بداية كل من «المنار» وotv، لكن أُسيء استخدامها في الميدان مع فتح هواء كل من lbci و«الجديد» لهؤلاء الذين أتت روايات أغلبهم تصب في الخيال والأفلام الهوليودية، حتى وصل الأمر بمراسل «الجديد» مالك الشريف الى استصراح صبي صغير راح يوجه التحية الى السيد حسن نصر الله والرئيس نبيه بري، ويختلق بعدها روايات عن اللحظات الأولى للتفجير. بعدها، بدأت عدسات الكاميرات تقتحم غرف الطوارئ في المستشفيات، وتستنطق الجرحى الواقعين تحت صدمة الانفجار، من دون تدارك الموقف بالسؤال عما إذا كانوا قادرين على الكلام وتذكر ماذا حصل معهم في الحادثة.
وبينما فتحت بعض القنوات المحلية على حسابها في تفجير الطيونة، تأخرت «الجزيرة» بداية عن المواكبة، فيما بالغت «العربية» في أرقامها، فأوردت أن حوالى 40 إصابة خلّفها هذا التفجير. بعض هذه الفضائيات ما فتئت تكرّر مصطلح «معقل حزب الله»على لسانها؛ من بينها المحطتان المذكورتان آنفاً، بالإضافة الى زميلتهما الفرنسية والناطقة بالعربية «فرانس 24»، علماً بأن الطيونة تقع خارج نطاق الضاحية وتشكل فقط أحد مداخلها الرئيسية.















حمراء أم بيضاء أم...

اللافت في تفجير الطيونة هذه المرة الإيحاء بداية من قبل بعض وسائل الإعلام بأنّ سيارة الانتحاري حمراء من نوع مرسيدس، صنعت في عام 1960، بخلاف السيارات الانتحارية السابقة «الفارهة» التي كانت تدكّ بنيرانها المناطق الآمنة في بيروت ضواحيها وفي البقاع وغيرها. سيارة سرعان ما عممت «الداتا» الخاصة بها بنقرة زر عبر خدمة سريعة جداً على الشبكة العنكبوتية: مواصفاتها واسم صاحبها ومكان إقامته باستخفاف تام، من دون مراعاة خطورة هذا التعميم. اتضح في ما بعد أن هذه السيارة لا دخل لها بالعمل الإرهابي، وهي مركونة منذ أشهر هناك. وسيارة الانتحاري الحقيقية: مرسيدس بيضاء طراز «300».