بغداد | مجدداً، تدخل الصحافة العراقيّة وممثّلوها الحقيقيون في اختبار على المحك، بعدما نشر مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركيّة في بغداد رود نوردلاند، تغريدات وصوراً على حسابه على تويتر. جاء نشر هذه الوثائق بعد حضور المراسل الأميركي مؤتمراً للمتحدّث باسم «مكتب القائد العام للقوات المسلحة» الفريق قاسم عطا، وكتب نوردلاند: «تُرى ما هي قيمة الصحافيّ العراقيّ 20.83 دولاراً؟». ونشر مع تغريدته صورة لمظروف كتب عليه «نيويورك تايمز»، إذ يحتوي على ثلاث أوراق من فئة 25 ألف دينار عراقيّ التي تعادل الواحدة منها 20.83$.


وتسلّم نوردلاند المظروف مثل غيره من صحافيين عراقيين وأجانب ممّن حضروا مؤتمر المتحدث باسم القائد العام السبت الماضي. ولعلّ تغريدته التي قال فيها «حتى المومسات لا يبعن أنفسهن بهذا الرخص في العراق» هي السبب الذي أثار سخط الصحافيين العراقيين، ودفعهم إلى إصدار أكثر من بيان أجبرته في النهاية على تقديم اعتذاره، متراجعاً عما أورده قبل ساعات من ذلك، بالقول: «العديد من الصحافيّين العراقيّين، هم شرفاء ومهنيون شجعان ممّن لا يقبلون بأخذ هذه الرشاوى». وتابع: «ملاحظاتي اقتصرت على أولئك الذين يتقبّلون الرشاوى». وأضاف: «أغلبهم لا يذهبون إلى مثل هذا النوع من المؤتمرات الصحافيّة غير المجدية، حيث يتمّ تمرير هذه الرشاوى».
واتّسع حجم ردود الفعل العراقيّة بما لم يتوقعه الصحافي الأميركي نفسه: بيان «لسنا عاهرات» أصدرته مجموعة من الصحافيين المستقلين العاملين في صحف ووكالات وفضائيات محليّة عبّروا فيه عن «الاستياء الشديد من الإساءة التي وجهها مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركيّة لآلاف الصحافيّين والإعلاميّين العراقيّين الذين يتحدّون المخاطر والمضايقات لنقل الحقيقة». وطالب الموقّعون «الجهات الرسميّة والزملاء الصحافيّين والمترجمين العاملين مع صحيفة «نيويورك تايمز» بمقاطعتها بشكل طوعي تعبيراً عن رفض التجاوزات التي تطاول الصحافيّين المهنيين». وطالبوا «المؤسسات الإعلاميّة والمسؤولين الرسميّين بالكف عن محاولة إغراء ضعاف النفوس من الصحافيّين بالمال لضمان تغطية فعالياتهم، لا سيما التي لا تحمل جديداً على مستوى التغطية الخبريّة». أما بيان «جمعية الدفاع عن حريّة الصحافة في العراق»، فاعتبر مَن «يتقاضى مكافأة لقاء تغطية نشاطات المسؤولين، دخيلاً وطارئاً على الصحافة»، داعياً إلى «إنهاء هذا السياق السيء المتبع من قبل مسؤولي إعلام الوزارات والمؤسّسات الأخرى».


البيان أصدرته مجموعة
من الصحافيين المستقلين

وعلّق المدير التنفيذي لـ«مرصد الحريّات الصحافيّة» زياد العجيلي: «الحكم على صحافي مرتشٍ في أميركا لا يعني أنّ جميع الصحافيّين هناك مرتشون يا Rod Nordland، لأنّنا ما زلنا نناضل من أجل نيل الديمقراطية وحريّة التعبير ونكافح من أجل صحافة حرّة لا نعمم فيها اتهاماتنا ضدّ أحد أو مجموعة من خلال موقف لا يحدث إلا كل سنة مرة واحدة».
والمعروف في العراق أنّ عدداً من الجهات والمؤسّسات الحكوميّة تمنح مكافأة مالية للصحافي أو المراسل الذي يحضر نشاطها، بدعوى «تغطية نفقات أجور النقل ومن باب تثمين الجهد» وفق أحد الصحافيّين الذين يتقبّلون هذه الصيغة من المكافآت، إلا أنّ كثيرين يرفضون أخذها، لأنّ ذلك يؤثّر حتماً على حيادية الصحافيّ ومهنيته.
حادثة رود نوردلاند تحمل أكثر من رسالة تتحدّد في اتجاهات ثلاثة: الأولى موجهة إلى الصحافيّين الأجانب، فبينهم من يجانب الصواب بالتعميم ووصف وسط إعلامي واسع ومتباين في مستواه، بعبارات أساءت حقّاً لما يقرب من 300 صحافي وإعلامي لقوا حتفهم منذ عام 2003 حتى يومنا هذا، وقسم منهم قتل لعمله مع المؤسّسات الأجنبية وصحافيّيها. أما الرسالة الثانية فموجهة إلى الطارئين من صحافيّي المؤتمرات والمهرجانات السياسيّة، بأن يكفوا عن تشويه سمعة مشهد بكامله، لا لشيء، سوى لكونهم يبحثون عن أي غنيمة تذهب بهم ظهراً إلى أحد مطاعم بغداد الفاخرة.
أما الرسالة الأخيرة، فمعنية بها المؤسّسات الإعلاميّة التي يتبعها هؤلاء الصحافيون. عليها أن تعيد النظر في حساباتها، إن كانت تكترث لسمعتها التي يحملها المراسل أو الصحافي المنتسب إليها، وأوّل ما يتعيّن عليها فعله هو إيجاد إجابة لسؤال يردّده متابعون: لو كان راتب الصحافيّ العراقيّ يفوق 1000 أو 1500 دولار أميركيّ، هل سينتظر المكافآت من أحد وسط غياب ضوابط التعاقد وحقوق الصحافيّين العاملين في صحف وفضائيات محليّة؟




اعتذار

قدّم رود نوردلاند اعتذاراً نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية في بغداد وجاء فيه: «أقدّم اعتذاري لكل أولئك الذين شعروا أن انتقادي لبعض زملائهم ممن يقبلون الرشوة، كان يعبّر عن ضغينة مبيّتة ضد الصحافيين العراقيين، إذ لم يكن الموضوع كذلك إطلاقاً. استناداً إلى ما وصلني من كثيرين، فإن تعليقي على تويتر تُرجم إلى العربية مراراً بشكل خاطئ. أنا أعي تماماً الشجاعة والعزيمة التي أظهرها العديد منكم خلال سنوات الحرب». وأوضح: «تعليقي كان يسخر من ويستهدف أولئك الذين أتمنى أن يكونوا مجموعة صغيرة ممن يقبلون هذه المدفوعات المالية. لقد عملت مع العديد من الصحافيين العراقيين لسنوات عديدة وما زلت أعمل معهم، ووجدت أن معظهم صادق وفوق الشبهات، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن أشمل على الأقل هؤلاء بانتقادي».