هذا جيل بصري بامتياز. جيل وجد نفسه في قلب الميديا، بالكاد يتذّكر أفلام الرسوم المتحرّكة في طفولته. لم ينصت إلى حكايات الجدّات قبل النوم. ينتصر للأرنب، وينظر بشفقة إلى السلحفاة بمشيتها البطيئة، ولديه تبجيل خاص إلى الصرصار المرح، عازف الكمان البارع في ليالي الصيف المقمرة، غير عابئ لقافلة النمل التي تنوء تحت ثقل مئونة الشتاء، تحت بند «لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد». بكاميرا هاتفه الخليوي يخزّن مشهدياته اليومية، وحين لا يجد ما يصوّره يلتقط صورة لنفسه بأوضاع مختلفة «سيلفي».


جيل الثورات المرحة، لجأ إلى عالم افتراضي يعوّض في فضائه خسارته المحقّقة، تحت وابل القذائف، ثم أنشأ أرشيفاً لمنفاه في باريس أو برلين أو است,كهولم، كأولى ثمار النصر «الفردي». يشجّع الثورات بالطريقة نفسها التي يشجّع بها فرق المونديال. ليس لديه الصبر على قراءة الأدب الكلاسيكي أو أمهات الكتب.
شاعرته المفضّلة لديها صفحة على الفايسبوك بصدر مكشوف. أما شاعره فيجيد إطلاق النكات لتعزيز حضوره الأدبي. ليس لديه أيقونات ثورية دائمة، فالصنم الذي يعجبه اليوم يلتهمه بلذّة في الغد. ليس مستغرباً إذاً، أن يرتدي قبعة غيفارا في لحظة عصف ثوري، وفي الوقت نفسه يُعجب بفتوى صاحب إحدى العمامات، تبعاً لجهة الريح. جيل اكتشف الطوائف والمذاهب، وفقاً لما تجود به الفضائيات ومقبرة العائلة، وبرنامج «اعرف عدوك»، والعدو هنا، ليس إسرائيل بالطبع، وإنما طائفة «الآخر» التي اكتشف جرائمها متأخراً. الورطة الحقيقية التي واجهت هذا الجيل الحائر، سنجدها في متاهة معجم «الربيع العربي»، في توصيف ما حدث. كان محمد جمال باروت قد اختار اسم «هبّة شعبية»، أو «فزعة»، والصفة الثانية ذات مدلول بدوي في المقام الأول، تتعلق بالنخوة بين العشائر والقبائل، النخوة المرفقة بهتاف «الموت ولا المذلة». ثم أتى من أطلق عبارة «الحراك الشعبي»، وتلتها «الانتفاضة»، ثم اضاء الساحة نيون «الثورة»، وطاب لبعضهم أن ينقل ساحات باريس 1968، إلى ساحات دوما، وأن يضع زهران علوش في مقام جان بول سارتر. الآن يدور النقاش عن صلاحية كلمة «ثورة» في ما يجري في سوريا، إذ استبدلت كل المصطلحات بكلمة واحدة هي «مؤامرة» بوصفها العشاء الأخيرة على مائدة الدم.


اختار محمد جمال باروت توصيف «هبّة شعبية» أو «فزعة»
هناك أكثر من نسخة لقناع يهوذا، وليس سهلاً، أن نسدل الستارة على المشهد، فالحقيقة ملوّثة بالطعنات، وأشجار الربيع دخلت خريفها علناً، بقافلة من الحطّابين الأشدّاء.
لتكن «ثورة» إذاً، ولكن أين متممات الوصفة؟ هل طهي الجثث بحساء الطائفية ينهي معضلة الاسم، أم أن الهتاف اللفظي المضاد يمنح صاحبه علامة النجاح والتفوّق؟ وهل الخلط إلى حدود التماهي بين «ثائر» و«مجاهد» يحلّ المسألة لغوياً وبصرياً؟ على هذا المنوال، ينبغي أن نفحص هوية العلماني بقفطانه الطائفي، أو الماركسي الذي تحوّل إلى ليبرالي بخلفية مذهبية، فنحن إزاء هوية ممزّقة بموعدين، صاحب الموعد الأول ينتظر الثورة بتنورة قصيرة عند ناصية الشارع، وصاحب الموعد الثاني المدجج بحزامه الناسف ينتظر العشاء مع الرسول. أما الثالث فما عليه إلا أن يسجّل هذه اللحظة البصرية بهاتفه الخليوي، أو عدسته المرتبكة بوصفه شاهد عيان، على كومة عظام، وحطام بلاد ينهش ما تبقى منها. مقاولون أشاوس بسيوف تقطر ثأراً.