غزة | قطاع غزّة يحترق من شماله إلى جنوبه. لا وقت لالتقاط الغزيين أنفاسهم بين غارة وأخرى. الجميع بات على شفا حفرة من الموت. أرقام الشهداء تتبدّل كل ساعة، ومعها يعلو صوت الجنون الصهيوني. وفي خضم هذه الأحداث الساخنة، لمعت تجربة إعلاميّة شبابية باتت الحاضنة الأولى للمقاومة. كسرت «شبكة قدس الإخبارية» مشهد الإعلام الفلسطيني الذي يجزّئ نضال شعبه ويرتكز إلى المناطقية في تعقّب الأحداث.

جنّدت الشبكة لمصلحتها عشرات الشبان من مختلف المناطق حتى أضحوا صحافيين في الميدان يواكبون الأحداث على أراضيهم لحظةً بلحظة. نبع هذا العمل التطوعي للجيش الشبابي الإعلامي من واقع إبصارهم كيفية استثمار الاحتلال الإسرائيلي شبابه لاستدرار عاطفة الرأي العام الدولي، وقلب الحقائق وتعميتها. بذلك، اشتعلت الحرب الإعلاميّة بين الطرفين حتى وصلت إلى الذروة.

ساهم إتقان طاقم الشبكة للغة العبرية في اختراق صفوف العدو وبث رسائل المقاومة. على مدار الساعة، يواكب شباب الشبكة الأحداث، ويبدأون بضخّها في مجموعة خاصة بهم على الفايسبوك. هذه المجموعة تغربل الأخبار وتدّقق في صحتها قبل أن تصبح في متناول القارئ، لتسجّل الشبكة نقطة تحوّل في تاريخ الإعلام الفلسطيني. عوامل عدّة لعبت في جذب القراء للشبكة واعتمادها مصدراً أساسياً في استقاء الأخبار، أهمها توخي الدقة والسرعة، فضلاً عن حملها شعلة المقاومة بعيداً من الشعارات الفصائلية واللغة الانهزاميّة.
هكذا، تخطّى متابعوها حاجز المليون مشاهد حتى لحظة كتابة هذه السطور. لم يكتفِ شباب الشبكة بهذا الحد، بل أضاؤوا فضاء الشبكة العنكبوتية أخيراً بإذاعة إلكترونية تمنح مساحةً وفيرة لمختلف البقاع الفلسطينية لإعادة إحياء روح الانتفاضة. يتناوب الشبان على هذه التغطية التي تتخلّلها فواصل موسيقيّة تمجّد زمن الملثم الفلسطيني وتستحضره الآن. وسط هذه الريادة الشبابية، برزت انتهازية مقيتة عند بعض المنابر الفلسطينية على حساب الشهداء. راحت وكالة «دنيا الوطن» مثلاً تبحث عن الأشلاء المتطايرة والجثث المتفحمة لتسوّق لصفحتها، وليس لإبرازها كقرائن تعرّي وجه الاحتلال الإسرائيلي وتدينه في المحاكم الدولية.


أحرز الإعلام الحربي التابع لفصائل المقاومة تطوراً ملحوظاً
وصل الحد بهذه الوكالة إلى تسليع الشهداء والمتاجرة بصورهم، فروّجت لمجزرة عائلة كوارع التي حصدت أرواح 7 شهداء وأكثر من 25 جريحاً وفقاً لهذه الصياغة: «صور+18: مجزرة مروعة في خانيونس». أما فضائية «فلسطين» التابعة للسلطة، فقد تحسّست أخيراً انعزالها التام عن شعبها، وتهميشها لقطاع غزّة تحديداً، لتعلن رسمياً اعتذارها عن هذا التقصير. وأعلنت حالة طوارئ في أروقتها، وتوظيف طاقمها في فضح جرائم الاحتلال، بعدما شطبت خطتها البرامجية لرمضان. وأحرز الإعلام الحربي التابع لفصائل المقاومة تطوراً ملحوظاً في كيفية التغلغل في الأوساط الجماهيرية الإسرائيلية كجزء من الحرب النفسية. بثّت «كتائب عز الدين القسام» الجناح المسلّح لحركة «حماس» فيديوهات توضح أنّ في جعبة الحركة المزيد من المفاجآت، ولن يقتصر الأمر على اجتياز صواريخ المقاومة ما بعد تل أبيب. ذلك كله من شأنه أن يخلق سخطاً شعبياً واسعاً على رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وتتوالد الضغوط عليه للتراجع عن عدوانه ضد القطاع. هذه المقاطع القصيرة ارتكزت إلى اللغة العبرية كتاباً ونطقاً. كذلك حصّن المكتب الإعلامي لـ «المقاومة» الجبهة الداخليّة، وأطلق حملات توعوية حول استغلال مواقع التواصل بغية تماسك هذه الجبهة. في هذا الصدد، أنتج المكتب فيديو يسلّط الضوء على بعض هفوات الفلسطينيين التي تساهم عن غير قصد في تعقّب المقاومين واستهدافهم. قدّم هذا الفيديو نصائح مختلفة للغزيين، أهمها عدم الإبانة عن المنطقة التي تنطلق منها صواريخ المقاومة، كون الاحتلال يمتلك وحدة رصد خاصة بمواقع التواصل الاجتماعي. أما على صعيد الإعلام العربي، فبقي محصوراً في المكان الذي اختاره منذ اندلاع ثورة الفلسطينيين. الانحياز التام لرواية الاحتلال، أو التلطّي خلف عباءة «الحياد» بين الفلسطينيين والإسرائيليين. تهافتت هذه الوسائل على استضافة شخصيّات إسرائيلية تبرّر ضربها لمنازل المدنيين بحجة استخدام «حماس» قاطنيها كدروع بشرية. هذا كلّه، وسط أسئلة باهتة من المذيعين لا تسمن ولا تغني من جوع!