أتذكرون فيديو تدمير متحف الموصل على يد «داعش»؟ أتذكرون دمار مدينة النمرود؟ وقبلها، اختفاء بوابة عشتار لتعود وتظهر في مدينةٍ غريبة؟ قد لا تُمحى هذه المشاهد الفظيعة من ذاكرتنا. بالرغم من شعورنا أحياناً بأنّها غير حقيقيّة بل مفترضة كالمواقع التي نشرتها، إلا أنّ وقعها المرعب سيطبع الذاكرة البصريّة لجيلٍ كاملٍ وسيسبّب تشوّهاتٍ في تلمّس أجيالٍ قادمة لثقافتها وتاريخها. لكنّ وطأة هذا الرعب يمكنها أن تتحوّل الى عملٍ شجاعٍ بنّاء كإقدام المهندس العراقيّ قيس يعقوب على تصميم وإنتاج ما يزيد على 40 فيديو بالأبعاد الثلاثيّة لمدن وحضارة بلاد ما بين النهرين منذ آلاف السنين قبل الميلاد لغاية سبعينات وثمانينات القرن العشرين.

أحدث فيديوهات قيس يعقوب المنشورة منذ حوالى أسبوعين، تنطلق بنا من الضفة الغربيّة لنهر دجلة حيث السور المزدوج لـ «كالح» (كلخو) الاسم القديم لمدينة النمرود. ترجعنا الى عام 1300 ق.م. حيث كانت النمرود عاصمة الامبراطوريّة الآشوريّة. الشمس قبالتنا، في مغيبها، تضيء رحلتنا الثلاثيّة الأبعاد. ألوانها متناغمة مع ألوان أحجار بلاد ما بين النهرين. نطوف فوق المدينة حيث تظهر سطوح مبانيها وفي وسطها مناورٌ وفسحاتٍ لأشجار النخيل. فيديو آخر يحملنا كأنّنا على بساط الريح فوق مدينة آشور العاصمة الدينيّة لآشوريا عام 2500 ق.م. وثالثٌ لنيبور إحدى أقدم مدن بلاد ما بين النهرين. تتوالى الفيديوهات التي تظهر شادوبوم (تل حرمل) عام 1800 ق.م. التي يُعتقد أنّها أقدم جامعة في العالم أو أوروك 2900 ق.م. التي يُعتقد بأنها أقدم مدينة مأهولة ومتحضّرة في العالم. ثمّ نينوى في زمن آشور بانيبال (668 – 627 ق.م.)، المدينة المتطوّرة والغنيّة بتفاصيل حياتها وبوّابة عشتار بألوانها المدهشة، ومدينة بابل.
تستمرّ الرحلة في الزمن فتعرض فيديوهات قيس يعقوب شوارع العراق الشعبيّة، وسينما ريكس في شارع الرشيد مطلع السبعينات التي كانت حينها تعرض فيلم "العظماء السبعة" بحسب الملصقات على جدران الشارع، والحمّام العراقيّ، وتفاصيل منازل الموصل وغيرها من ذكريات طفولته في العراق.

فيديوهات ثلاثية الأبعاد تستعيد مدن بلاد الرافدين العريقة

وقيس يعقوب مهندس استشاريّ وفنّان تشكيليّ درس هندسة البناء والإنشاء في بغداد، ثمّ انتقل الى فرنسا حيث يقيم ويعمل حاليّاً. خلال دراسته، اطلع على تاريخ العمارة السومريّة والبابليّة والآشوريّة، إضافة إلى العمارة الإغريقيّة والرومانيّة. ثم استكمل اهتمامه بتاريخ بلاد ما بين النهرين من خلال الكتب التي تتناول هذا الموضوع المتوافرة بكثرة في باريس. بدأ مشروعه في تجسيد الآثار عبر فيديوهات ثلاثيّة الأبعاد بجهدٍ فرديّ بهدف «إحياء جميع المدن التاريخية لوادي الرافدين والتراث العراقي المهمل» على حد قوله. هو يعتبر هذا المشروع رسالة لكلّ المسؤولين عن آثار العراق والتعليم والتربية الذين ــ بحسب قيس يعقوب ـــ بدأوا يبحثون عن تقنيّين ومهندسين أجانب للقيام بتوثيق الآثار من خلال خلق مجسّماتٍ ثلاثيّة الأبعاد لها. يرى قيس يعقوب بأنّ العراق اليوم يهمل امكانيّات مواطنيه الذين هم الأَولى بالعمل على توثيق آثارهم وتولي بمشاريع مختلفة لإحيائها.
يستخدم قيس يعقوب أحدث البرامج التقنيّة لخلق مجسّماته وهو ملمٌّ بهذا المجال منذ عام 1990. تستكمل قدراته التقنيّة والتصميميّة معلوماته التاريخيّة وأبحاثه وتجعله أهلًا لتصوّر مشاريع فيديوهاته بكلّ تفاصيلها وتنفيذها كاملةً. كما أنّه يختار موسيقى مرافقة للفيديوهات. عملٌ متشعّبٌ وضخمٌ يقوم به شخصٌ واحدٌ ويساوي عمل أقسامٍ تضمّ العديد من الباحثين والتقنيين والمسوِّقين في مراكز دراسات الآثار والجامعات حول العالم. بدأ بنشر فيديوهاته منذ ثلاث سنواتٍ على شبكة الإنترنت ليتشاركها مع كل مهتمّ ويردّ ضمن إمكانيّته على أسئلة متابعيه.
كأنّ قيس يعقوب ينشئ مملكةً افتراضيّة للعراق وموسوعة بصريّة ثلاثيّة الأبعاد ينشر فيها محطّات مهمّة من تاريخ البلد. كأنّه ينقض كلّ ما نشر عن دماره ويعلنه حضارة لا يمكن أن ينال من عظمتها مغول العصر، ولا مقاولون تجّار حروبٍ. حضارةٌ تقاوم عبر جنودٍ وراء الكواليس يحملونها في شغفهم ويعيشون واقعهم كما يليق بأرض الرافدين وبأبنائها. حضارة يوثّقها عالِمٌ متنوّرٌ يعي أنّه لا يمكن أن تستمرّ الإنسانيّة بسرد تاريخها من دون العراق.
لا يعوّض هذا المشروع الدمار الذي أصاب العالم كلّه جرّاء تدمير العراق، ولا يكفي أن تكون بلاد ما بين النهرين افتراضيّة حاضرة وجميلة على شبكة الإنترنت كأنّها للذكرى والحنين فقط. ولكن هناك بعد آخر لرؤية الواقع. فكما تشير إحدى القصائد المغنّاة إلى أنّ الحبّ يتراجع حين تهوي المدن التاريخيّة، فإنّ تكريس حبّ العراق والتمسّك بتاريخه هما خلاص هذه الحضارة والعالم من همجيّة وحقد الدمار. العراق الذي يحبّه قيس يعقوب ويستثمر كلّ علمه ووقته لإحيائه، يحتاج المزيد من الحبّ من كلّ عالِمٍ صادقٍ وصله من تاريخ الرافدين المجيد طرف خيطٍ للبناء والرقيّ. هذا الحبّ المقاوم يستطيع أن يعيد تشييد ما هُدم. العراق استمرّ بلاداً للكتّاب والقرّاء لآلاف السنين بعدما رمى هولاكو كل كتبه في النهر وهذا ليس افتراضاً بل حقيقة. حقيقةٌ تتجاوز تفاصيل الواقع الحزين وتتجسّد في فيديوهات قيس يعقوب التي تطوف فوق كل التفاصيل وتختار تسليط الضوء على الأجمل منها.




Tell Harmal - Shaduppum 1800 BC from Kais Jacob قيس يعقوب on Vimeo.




Khafajah Sumerian city 2700 BC from Kais Jacob قيس يعقوب on Vimeo.




3D Virtual Tour video Inspired by the drawing of Orientalists from Kais Jacob قيس يعقوب on Vimeo.




Nimroud نـمـرود , كـالـح from Kais Jacob قيس يعقوب on Vimeo.




City of Nineveh In the reign of king Ashurbanipal 668-627BC مــديـنـة نـيـنـوى from Kais Jacob قيس يعقوب on Vimeo.




Antique alleys MOSUL أزقـــة موصـل القديـمة from Kais Jacob قيس يعقوب on Vimeo.