«هم لم يكونوا طيبين كفايةً مع اليهود في البداية، لذلك يحصل ما يحصل الآن». هكذا بكل بساطة أجاب السينمائي الأميركي المعروف وأحد «الفتية» السحرة في هوليوود وودي ألن على سؤال الصحافي مارلو ستيرن من صحيفة «دايلي بيست» حول الاعتداءات الإسرائيلية الحالية على غزة. «لقد عانى اليهود كثيراً في أوروبا، قتل منهم الملايين ولوحقوا عبر كل أوروبا ثم أعطيوا قطعة أرضٍ صغيرة جداً جداً من الصحراء. فلو أنّ العرب تفهموا ذلك وقالوا لهم مثلاً: نحن نعلم ما مررتهم به، خذوا هذه الأرض عيشوا بسلامٍ.


سنكون أصدقاءكم ونساعدكم. لكنهم لم يفعلوا! هم لم يكونوا طيبين كفاية وهذا ما أدى إلى ما يحصل الآن». هذا التصريح أثار ضجة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أنّ موقف ألن معروف في ما يخص اسرائيل، هو الذي لطالما ردّد بأنّ «النقد الذي يوجهه لها هو من باب الحبّ» باحثاً دوماً عن أعذار لممارساتها الوحشية في فلسطين.
أثبت ألن مقولة أن تكون «أسطورةً» في شيء لا يعني أبداً أن تفهم في كل شيء، أو «واعياً/ مدركاً» للواقع في حالته هنا، خصوصاً أنّ الإعلام الأميركي ينقل الأحداث بشكلٍ مغلوط ومزيف إلى الحد الذي يتحول فيه الجلاد إلى ضحية والعكس بالعكس.
لكن هل تعليقات ألن هي بداية تأييد المثقفين وكبار المبدعين للدولة العبرية؟ ذلك أبعد ما يكون عن الحقيقة.
في حرب الأيام الستة (1967)، وقّع أكثر من 3700 مثقف على عريضة نشرت في جريدة «نيويورك تايمز» مطالبين الجيش الأميركي بالتدخل في الحرب لحماية الكيان الصهيوني من بينهم الكاتب الفرنسي والفيلسوف الوجودي جان بول سارتر (كان مؤيداً للثورة الجزائرية؛ ومؤيداً لإسرائيل ومعارضاً لحقوق الشعب الفلسطيني في الوجود معاً!)، ورائد حقوق الإنسان الأميركي مارتن لوثر كينغ، ورائد التكعيبية بابلو بيكاسو، والروائي والقاص الأميركي الشهير رالف ايليسون، وبالتأكيد الأميركية/ الألمانية حنا أرندت أحد أشهر المنظرين السياسيين في القرن العشرين (عادت وقاربت القضية الفلسطينية من منظارٍ آخر، وإن لم تنفِ نهائياً حق الصهانية بالتواجد على أرض فلسطين مسندةً الفكرة إلى «حقهم بالوجود بفعل العمل والجهد» أي أن هذه الأرض هي لهم بحق أنهم حاربوا وعملوا لأجلها!).
تجمع كل هؤلاء واتفقوا على أنَّ «إسرائيل» تستحق الوجود كما التأييد، متجاهلين تماماً حق أصحاب الأرض الأصليين بالتواجد عليها أو ماذا سيحلّ بهم أصلاً. في الوقت عينه، لم يكونوا مدركين البتة أسباب الحرب الأصلية وأن «وجود» الدولة العبرية هو سبب المشكلة.
قد يكون السؤال الأبرز هنا كيف حدث ذلك؟ الإجابة أبسط: هؤلاء المثقفين في النهاية هم «بشر» تقوم آراؤهم واستنباطاتهم على المعلومات التي يحصلون عليها من مصادر قد تكون «محرّفة» إلى حدّ بعيد. قدمت وسائل الإعلام الغربية «إسرائيل» إلى العالم على أنّها «واحة للديمقراطية» و«دولة متطورة» في قلب صحراءٍ من «التخلّف والكراهية»، فضلاً عن أنّ كثيرين من مفكري اليسار الأوروبيين كانوا يعتبرون «الصهيونية» حركة قريبةً من اليسار.
كان ثيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية مقرباً من أحزابٍ يسارية أوروبية، ما جعل تقرّب اليسار و«كيله» المديح للصهاينة أمراً طبيعياً، فكيف باليمين الحكومي؟ على الجانب الآخر، لم يمتلك العرب أي وسيلةٍ للدفاع عن أنفسهم في مواجهة «عتي» الآلة الإعلامية للوبي اليهودي المسيطر على الإعلام الغربي. الغرب، وخصوصاً اليسار، لم يبدأ بالتساؤل عن القضية الفلسطينية إلا في بدايات
السبعينات.
المفكر إدوارد سعيد، كان أول من طرح أسئلة علانيةً في الإعلام الأميركي حول أحقية «الوجود» الفلسطيني وتعامل «الثقافة» الأميركية معه كما المثقفين.
وأشار إلى أن «كثيراً من المفكرين يتعاملون مع حق الفلسطينين كأصحاب أرضٍ أصليين بجهلٍ وبعنصرية بحت».




قائمة غولدا

أصدرت رئيسة وزراء الكيان الصهيوني في بداية حزيران عام 1972 قرارها بالموافقة على لائحة القتل الشهيرة «لائحة غولدا» وسلّمتها إلى رئيس الموساد آنذاك آرليش زامير الذي فوجئ بأن اللائحة تضم «مدنيين» أكثر من «عسكريين». اللائحة التي كانت تضم كتاباً ومثقفين فلسطينيين أبرزهم: غسان كنفاني وكمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار وبسام ابو شريف وأنيس الصايغ مدير «مركز الأبحاث الفلسطيني» آنذاك، فضلاً عن بعض القادة العسكريين الأكثر شهرةً مثل وديع حداد. لماذا اختارت مائير هذه الأسماء بالذات؟ كانت هذه الأسماء بوابة الثقافة الفلسطينية على الغرب، وهو أكثر ما كان يقلق المرأة «الوحش» بحسب ما كانت مشهورةً في الدولة العبرية. كان هؤلاء يفتحون عيون الغرب على «أحقية» القضية الفلسطينية كما «بالقتال» لأجل حق وجودهم، بالإضافة إلى تعرية «الوحشية» الصهيونية اليومية بدءاً من عام 1948. كان غسان كنفاني كاتباً ومثقفاً وفناناً يسارياً ذا شكلٍ غربي محبب فضلاً عن الكاريزما التي يتمتع بها، لذلك كان من الطبيعي التخلص منه وبسرعة. كمال ناصر وكمال عدوان كانا شاعرين، أبو يوسف النجّار كان قاصاً وروائياً، بسام أبو شريف كان صحافياً جيداً ومثقفاً. كانت معظم الأسماء الواردة في اللائحة تجيد أكثر من لغة ولديها علاقات قوية مع مفكرين ومثقفين غربيين. ذلك كان السبب الرئيس بالتأكيد لورود تلك الأسماء في لائحة غولدا!