غزة | وسط مشاهد الجثث المتكدّسة في ثلاجات الموتى والشهداء الممدّدين على أرصفة الشوارع، بات أمراً باعثاً على السأم أن نكرّر الأسطوانات المشروخة نفسها عن صورة غزّة المبتورة في الإعلامين العربي والغربي. لكن بالطبع، ليس حدثاً عابراً أن يمرّر أحد الغزيين شعوره الانهزامي عبر إعلام العدوّ الذي يحاول قدر الإمكان امتطاء ظهر المدنيين.


نموذج شذّ عن الشعور العام السائد لدى الغزيين تجاه عدوّهم، و«القناة العاشرة» الإسرائيلية استثمرت تلك الحالة لتعميمها على أهل القطاع، وسلخ المقاومة الفلسطينية وتحديداً «حماس» عنهم. إذ أبطل الشاب الغزي صبحي صبح مفعول علاقة العداء، وكسر جميع الحدود الراسخة بين العدوّين في هذا التوقيت الحسّاس والمفصلي. تفجّرت هذه الحكاية نهاية الأسبوع الماضي حين استضافت «القناة العاشرة» صبح، وبدأت باستدراجه لتحميل «حماس» مسؤولية الدماء التي تسيل في شوارع غزّة. بدأ الشاب (21 عاماً) اللقاء بنبذة قصيرة عنه وعن شقيقاته وأشقائه الـ 9 الذين ظهروا معه في خلفية الصورة، ثم انهالت المذيعة الإسرائيلية عليه بأسئلة يفترض أن تستفزّ أيّ فلسطيني، باستثناء صبح. أجاب بكلّ برودة أعصاب وبرّأ نفسه من المقاومة، متهماً «حماس» باستخدام المدنيين كدروع بشرية.


أطلّ الشاب
صبحي صبح على المحطة وأبدى
تعاطفه مع العدو
لم يشعر بالضجر من تكرار جملة «نحن مدنيون أبرياء تماماً مثلكم، فنحن نريد السلام لنا ولكم. ونريدكم أن تضغطوا على حكومتكم كما نفعل نحن مع حكومتنا من أجل إنهاء هذه الحرب». إذاً، اتخذ صبح دور الناطق الرسمي باسم أهل غزّة، وزيّف آراءهم، رغم أن الغزيين ملتفّون حول المقاومة بكل تنظيماتها. ولأنّ المحطة تعلم تماماً من انتقت لإجراء ذلك اللقاء، فإنها تذاكت على صبح الذي تماهت إجاباته مع مطامحها. سألته: «أنت تعرف لمَ واصلت «حماس» ضرب إسرائيل بالصواريخ في الأيام الماضية؟»، فأجاب: «هو السؤال نفسه الذي يطرحه المدني الإسرائيلي لحكومته. كلّنا كمدنيين نسأل، لكن لا أحدَ منا يحصل على إجابة واضحة». لم يتوقّف عند هذا الحدّ. وضع شعبه ومقاومته في كفّة واحدة مع عدّوه الإسرائيلي، قائلاً: «الكلّ يكذب، ونحن ندفع ثمن أخطاء الحكومات وقراراتها».
كذلك غسل يد الاحتلال من استهدافه المتعمّد للمدنيين، معتبراً ذلك هفوة غير مقصودة منه، متذرّعاً بالمنشورات التي ألقاها جيش الاحتلال على المناطق الحدودية المطالبة بإخلاء المدنيين منازلهم حفاظاً على أرواحهم. هنا، سألته المذيعة: «هل قامت «حماس» بمنع الناس من مغادرة بيوتهم في شمال القطاع؟»، فأجاب: «في قريتنا لم يحدث هذا، لكن في بلدات أخرى حدث. «حماس» تقول للمدنيين لا تغادروا لأن إسرائيل تريد الضغط على «حماس»». يبدو أنّ صبح لم تطبع في ذهنه صور النكبة الحاضرة الآن في غزّة، فعشرات الآلاف نزحوا من بيوتهم بعد تعرّضهم لقصف مدفعي عنيف من دون أن تقف «حماس» في طريقهم. بعد ذلك، وصل مستوى تمسكن المذيعة إلى الذروة، من دون أي خطوة رادعة من الشاب، فسألته: «هل ترى ما يحدث لنا؟ هل ترى الصواريخ التي تسقط علينا؟ هل تشاهد التلفزيون؟ عشرات آلاف الأطفال باتوا في الملاجئ الآن، وهم يهربون كل نصف ساعة إلى مكان آمن». حينها، هزّ صبح رأسه، وأبدى تعاطفه مع الإسرائيليين حتى وصل به الأمر إلى القول: «أنا متأكد أن ما يحدث في إسرائيل أسوأ بدرجات كبيرة مما يحدث في القطاع». بطبيعة الحال، يبدو أنّ هذا النموذج الشاذ ورقة رابحة بيد الإعلام الإسرائيلي الذي تهافتت وسائله على نقل مقطع الفيديو وتحليله لخلق هوّة بين المقاومة والمدنيين، بعدما عبّرت مذيعة «القناة العاشرة» عن سعادتها بذلك النموذج، ودعته إلى قبولها كصديقة على الفايسبوك!