كان ذلك قبل أربعة عقود، حين رفض الممثل الأميركي مارلون براندو (1924 _ 2004) جائزة «أوسكار» أفضل ممثل عن دوره في «العراب». هيّأ براندو الفضاء، والديكور لتأدية مشهد متقن غير متوقّع، إذ لم يكن رفض الجائزة الباعث الوحيد على المفاجأة فحسب، بل تمثّلت في طريقة التعبير عنها.


اعتلت ناشطة الحقوق المدنية الأميركية الأصلية ورئيسة «منظمة الحفاظ على تراث الهنود الحمر» ساشين ليتلفيذر الخشبة، مرتدية الزي التقليدي لقبائل «الأباتشي»، ورفضت الجائزة بالإنابة عن براندو. لم يُسمح لساشين بإلقاء كلمة براندو الطويلة، فاكتفت بالسبب: تعامل الصناعة السينمائية مع الأميركيين الأصليين وطريقة إظهارهم على الشاشة. أتى هذا الموقف وسط تفرّغ «هوليوود» لخلق آلاف الأفلام المزوّرة عن شخصيات سكان أميركا الأصليين، وتعزيز الصورة الكاذبة عنهم. اليوم، أصبحت حادثة «الأوسكار» واحدة من تلك الحوادث التي لا يمكن للوقت أن يخفيها. حتى أسماء «أوسكار» ومارلون براندو وفيلم «العراب» لن تنجو من ذكراها، حيث سيسجل تاريخ 27 آذار (مارس) 1973 كتاريخ رافض للاستعمار والاحتلال وتزويرهما للحقائق.


ألمودوفار وبينيلوبي كروز وخافيير بارديم أدانوا صمت أوروبا

موقف مارلون براندو الحاسم يندرج ضمن الشعارات الراديكالية التي رفعتها فرقة Massive Attack في «مهرجانات بيبلوس الدولية» أوّل من أمس. الفرقة البريطانية التي استغلّت مناسبات عدّة للتعبير عن موقفها المؤيد للقضية الفلسطينية، كرّست الخشبة في حفلتها الأخيرة لتؤكّد أن معاناة الفلسطينيين في غزّة تعود إلى عام 1948. هكذا، جنح موقف Massive Attack عن تلك المواقف الطارئة والهشّة التي أثارتها الصور القاسية للعدوان الإسرائيلي على غزة، ليجعل من فلسطين نفسها صورة راسخة لا يمكن للزمن أن يخفف من وطأتها. أصبحت الشاشة التي تشكّل خلفية الحفلة وسيلة للتعبير عن معاناة أصحاب الأرض الأصليين في رفضهم للاحتلال الأصلي. وهو الاحتلال الذي تُعد حرب غزة الحالية، وحروب العراق، ولبنان، وسوريا من تبعاته ومنبّهاً للتذكير بوجوده برغم وحشيتها.
«المواطنون vs العملاء، والديمقراطية vs الرأسمالية، والموسيقى vs الصناعة، والحرية vs السلطة»، هي أحد الشعارات التي رفعتها الفرقة، وذهبت بها أبعد من مقاييس النظرة الاستشراقية الساذجة إلى الحروب العربية. لم تحمل الحفلة الموسيقية المتزامنة مع العدوان على غزة خطاباً ينتهي بشعارات السلام الفضفاضة التي تتسع للضحية والجلاد وتساوي بينهما، لا بل قد تسع لوعد بلفور وحق الإسرائيليين في بناء دولتهم أيضاً.... في الحفلة التي شهدت رفع الأعلام الفلسطينية، أظهرت الفرقة وعياً لمنطقتنا بتركيبتها وحروبها اللامتناهية، من دون أن تنسى مأساة الموصل في العراق، و«داعش»، مخصصة جزءاً كبيراً من اللقاء لفلسطين، ومرددةً up palestine. القول إنّ حفلة «ماسيف اتاك» انطلقت من مخيم برج البراجنة قبل يوم ليست مبالغة. نهار الاثنين الفائت زارت الفرقة البريطانية المعروفة بدعمها الراديكالي للقضية الفلسطينية مخيّم برج البراجنة في بيروت، و«مركز النقب للأنشطة الشبابية» الذي خصصت له جزءاً من ريع حفلتها في جبيل، إلى جانب دعم مكتبة عامة جديدة في مخيم البداوي في طرابلس، ودعم تطوير خدمة الإسعاف في غزة. وفي البيان الذي نشرته «مؤسسة الأمل» الإنكليزية (Hoping Foundation) التي تقدم المساعدات والمنح للمنظمات الفلسطينية في مخيّمات دول الشرق الأوسط، وتتعاون معها الفرقة منذ عام 2005، ظهر الفهم العميق لحالة اللجوء الفلسطينية من قبل الفرقة. هكذا فصل عضو الفرقة روبرت ديل نايا بين حالات اللجوء الفلسطينية، ومنها فلسطينيو سوريا الذين لجأوا مرة أخرى إلى لبنان إثر الحرب السورية، إلى جانب اللاجئين الفلسطينيين في لبنان «الذين ما زالوا ينتظرون العودة إلى بلدهم». وقد عبّر ديل نايا عن سعادته بـ«لقائنا أخيراً مع الشباب الفلسطيني الذي كنا نسعى إليه».
خوض الفنانين في شؤون السياسة والتعبير عن مواقفهم لن ينضبا. العام الماضي، نقلت إلينا الوسائل الإعلامية خبراً عن شراء النجم الأميركي جوني ديب أرضاً في أميركا الشمالية مقابل 4 ملايين دولار ليهديها إلى قبيلة الـ«سو» من الهنود الحمر. الوسائل الإعلامية نفسها نقلت إلينا أيضاً العام الماضي خبراً عن تقديم رجل الأعمال والمنتج التلفزيوني البريطاني سايمون كاول 150 ألف دولار أميركي لدعم جيش الدفاع الإسرائيلي. ومع فورة التصريحات الفنية حول الحرب الإسرائيلية على غزّة، أصدرت مجموعة من نجوم السينما الإسبان بياناً يدين العدوان الإسرائيلي على غزة ويضغط على الاتحاد الأوروبي لأخذ موقف من هذا العدوان. المجموعة التي ضمّت المعلم الإسباني بيدرو ألمودوفار والنجمين بينيلوبي كروز وخافيير بارديم وغيرهم، دعت في بيانها الاتحاد الأوروبي إلى إدانة العدوان «البري والجوي والبحري على المدنيين في غزة»، معلنةً خجلها إزاء هذا الصمت المريب والحياد الغريب للاتحاد إزاء «حرب احتلال وإبادة بحق شعب كامل».