منذ 24 يوماً، بدأت اسرائيل عدوانها على غزّة. المدينة الساحلية الصغيرة وجدت نفسها فجأة تحت سيل هائل من النار، كل شيء كان يبدو كما لو أنه سيناريو مكرر لما حدث قبل عامين في عدوان 2012، مع فارق مؤثر جدا: أن معظم سكان القطاع باتوا حاضرين على مواقع التواصل الاجتماعي. صار بإمكان العالم كلّه أن يشاهد ما يحدث بعيونهم شخصياً.

يروي الكاتب كولين ديليدا ضمن مقالة على موقع Mashable.com، كيف أنّ نظرته إلى المعركة في غزّة كانت قاصرةً حتى بدأ يلاحظ الصور التي يلتقطها أناسٌ يعيشون الحدث نفسه وتضربهم «الصواريخ»، ومع هذا يوصلون صوتهم. يصر الكاتب: «كيف لا يمكنك ألا تظهر تعاطفاً صادقاً مع هؤلاء؟». في الإطار عينه بدا أن صدقية قنوات التلفزة ووسائل الإعلام الغربية على المحك، وخصوصاً مع تضاربها في الكثير من الأحيان مع مواقع التواصل الاجتماعي وصورها المتناقلة من قلب الحدث. إذاً هنا يقف المشاهد أمام فكرتين: الصورة الحقيقية الواردة من قلب الحدث، من دون تعديل أو تحوير، والخبر المعدّل المصنوع والمصنّف المرسل من الإعلام التقليدي.

يختار الجيل الأكبر سناً الإعلام الثاني، بينما يجنح الشباب كلّيا لناحية الأول. تنبه الصهاينة لما يحدث، إذ إنّ سيطرتهم الكبيرة على وسائل الإعلام التقليدية كانت تؤمن في السابق غطاءً يجعل المتعاطفين مع القضايا العربية المحقة قلّةً في العالم، وكما هو معلوم، أنشأ جيش الدفاع العبري وحدة «الهاسبارا» للدفاع عن أنشطة الجيش الصهيوني والدفاع عن الدولة ضد أي هجومٍ إلكتروني (ولا نعني هنا قرصنة، بل أي تعليقٍ لفظي أو هجوم بالكلام عليها).
ولا يألو الجيش الصهيوني جهداً في إيصال فكرته عما تقوم به المقاومة الفلسطينية، فيقدّم مثلاً تغريداته مدعومةً بصور «انفوغراف» تعريفية. وتضاف إلى ذلك عشرات التغريدات اليومية (المفصلة) بحسب موقع bbc. وتتخلل تلك التغريدات إشارات كثيرة تخاطب الشارع الغربي مباشرة على طريقة: ماذا لو كانت «حماس» في بلادكم وتفعل ما تفعله هنا؟ ماذا كنتم ستفعلون؟ بالتأكيد، فإنّ الغربي الذي لا يملك أي معرفة بمدى عنصرية النظام الصهيوني سيتعاطف ويشارك share الهاشتاغ معتقداً أنه بذلك يحمي بلاده وذاته قبل «إسرائيل».
على الجانب الآخر، اكتشفت «كتائب القسّام» هذا النوع من الحروب قبل مدّة قصيرة من الزمن، فأنشأت حسابين، أحدهما باللغة العربية والثاني باللغة الإنكليزية، وتقوم بتحديثه على نحو مستمر ولحظي حتّى، ولم تكتفِ القسام بذلك، بل استفادت من جميع الهاشتاغ الأخرى مثل #FreePalestine التي تدعم معركتها ضد الصهاينة في غزّة، فأصبحت تضيفها إلى تعليقاتها الأصلية نفسها، مكتسبة بذلك انتشاراً أوسع لخبرها، وهو الأمر الذي لم يكن يحدث قبلاً لعدم وجود وسيلة إعلام تنقل ما يحدث بصدق إلى العالم الغربي.