إحياءً للفنون الموسيقية الحلبية، سيكون عشاق فن القدود على موعدٍ مع «شيوخ الطرب» (وهم أنفسهم «شيوخ سلاطين الطرب»)، بقيادة محمد خير نحاس، وإدارة أحمد رمضان. أمسية طربية تحييها الفرقة ليل 4 آب (أغسطس) في «قصر الأونيسكو» في بيروت. الأخير سبق أن استقبل «شيوخ الطرب» في أمسية مشابهة قبل أشهر. تضم الحفلة كل ما يخطر في بالنا من أغانٍ تربطنا بالموشح والقدود الحلبية.

عام 1982، تأسست فرقة موشحات في «نادي شباب العروبة» في حلب، وصل عددها إلى ٣٦ مطرباً، فانتُقي أفضل ٤ أصوات (رباعي شباب العروبة) وهي: نهاد نجار ورضوان سرميني وعمر سرميني وعبود بشير كان مدرب الفرقة عبد القادر حجار. تجددت الفكرة عام 1994 باسم «شيوخ سلاطين الطرب»، فتغير أفراد الفرقة، وبقي أسلوبها ونهجها الملتزم بقيادة عازف الناي محمد خير نحاس.

في نظرة مفصلة على برنامج الأمسية الذي يتضمن موشحات أندلسية، وأدواراً وقدوداً حلبية ليمتد لساعة ونصف الساعة من دون استراحة، يلفت انتباهنا خيارٌ يراعي أذن المستمع اللبناني المتعطش لهذا الصنف من الموسيقى، الذي كان يرتشفه من المطرب السوري صباح فخري حين تسمح الظروف.
تبدأ الفرقة بسماعي حجازكار، ممهدةً لوصلة غنائية جماعية من المقام نفسه، تجمع الموشحين «هاتها يا صاح» و«يا فاتن الغزلان». تتخلل البرنامج أيضاً وصلات غنائية إفرادية تضم سلسلة من الموشحات مثل «أيها الساقي» و«جادك الغيث» و«يا غصن نقا». كما تحضر الفرقة المشتتة حالياً بين لبنان وسوريا، قصائد غزلية مرتجلة وموالاً حلبياً معروف بالسبعاوي (7 أشطر)، لتتوالى وصلات من قدود حلبية كوصلة حجاز «فوق النا خل» (المعروفة بـ «فوق النخل») و«البلبل ناغى» و«قدك المياس» و«الحلوة دي» تتبعها وصلة راست «والنبي يما» «مالك يا حلوة» و«يا مال الشام».
لا بد من أن يتضمن البرنامج أيضاً «قلعة» الفن الموسيقي الحلبي، أي قصيدة «خمرة الحب» التي نشتهيها في سياقٍ أوسع من محدودية القاعة الكلاسيكية لحظة تصوّرها، فلا شك في أنّ لقوالب الفن الموسيقي الحلبي أثراً مبهجاً في المستمع يخلو من أي ادعاء أو اصطناع فكري، يميل هذا المستمع على إثره إلى الخروج عن حدود بروتوكول المسرح، الذي يختلف عن أجواء الأمسيات الطربية الأكثر حميمية، حيث يتفاعل الجمهور خلالها مع الموسيقى سلطنة وطرباً وسكراً.


ما يميز الفرقة هو مخزونها الارتجالي الكثيف
ما يميز «شيوخ الطرب» والفنانين الحلبيين، هو مخزونهم الارتجالي الكثيف. يتصرف الموسيقي بأداء شخصي يختلف باختلاف الزمان والمكان، ليبدو لنا أحياناً أنه ينطق بما يشتهيه المستمع في لحظة الارتجال. نشعر بتوحد مع المرتجل، ونصرخ بـ «آهٍ» معلنين بها موافقتنا مع خيار المطرب لجملة لحنية قد ولدت للتو. فنّهم حلبي بامتياز، ينبع من مدينة عريقة كانت بمثابة روضة لعظماء شعراء وموسيقيي العرب، أنتجت كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني وهو تاريخ شامل جامع للأدب العربي، والأدب الموسيقي من أيام الجاهلية حتى القرن العاشر. كما أنتجت عاصمة الحمدانيين «كتاب الموسيقى الكبير» لأبي نصر محمد الفارابي، وكانت ملهمة لأشهر الموسيقيين الجدد نسبياً أمثال عبده الحامولي وسيد درويش وسيد السفطي وسلامة حجازي ومحمد عبد الوهاب وكارم محمود...
يأتي ذكر فن القدود مرتبطاً باسم القس السرياني مار افرام (306 م ـ 373 م) الذي يقال بأنّه كان يمارس هذا القالب خلال قداس الأحد في الكنيسة السريانية على نصوص من الإنجيل. أما عن تسميته التي تأتي من كلمة «قد» أي تأليف شعري على قالب أو «قد» شعر آخر، فهو شقيق فن الموشح («الأخبار» 31/7/2013) وغالباً ما يأتي ذكرهما سوياً إلى جانب ذكر حلب. القد الحلبي يوازي بشعره متانة شعر الموشح، لكنّه يفوقه بساطةً من حيث اللحن الذي لطالما يتكرر مع اختلاف مقاطع النص الشعري وأدواره. جالت فرقة «شيوخ الطرب» العالم وأطربت جمهور قرطاج، وجرش ودار الأوبرا في مصر. يقيم بعض أفرادها في لبنان، وكل فردٍ هو مطرب متمرس في تقليد شرقي ومتشرّب للمقامات، تابع دراسة موسيقية شفهية في «نادي شباب العروبة» ودرس في «المعهد العالي للموسيقى» في دمشق. وعن أمسية بيروت، ستجمع أعضاء الفرقة من لبنان وسوريا، مع احتمال غياب بعض الأسماء. إلى جانب المطربين أحمد بدور وحسام لبناني وابراهيم فارس، سيكون معنا محمد نحاس على القانون وبشار الحسن على العود ومحمد بشكار على الـ «كيبورد» ومعاذ قرقناوي واسماعيل سكري ونور خيري على الكمان وأنور لبناني على الطبلة وحسان نحاس على الرق وأمير لبناني على الكاتم وقائد الفرقة محمد خير نحاس على الناي.

* «شيوخ الطرب»: 22:00 ليل الاثنين 4 آب (أغسطس) ــ «قصر الأونيسكو»، بيروت ــ للاستعلام 70847398




ممنوع الدخول

لا بد من أن نذكر في هذا الإطار أنّ فرقة «شيوخ الطرب» بادارة محمد خير نحاس ككل الفرق السورية لم تحصل منذ تأزم الوضع في سوريا على تأشيرة إلى أي بلد عربي باستثناء لبنان. آخر رفضٍ تلقته كان منذ فترة من الكويت وقطر، فكتالوغ البلدين يوجههما إلى الفن الكلاسيكي الغربي حالياً.