القاهرة | لطالما كان موت أحد صنّاع البهجة مبكياً إلى أقصى درجة. وربما بقدر الضحك الذي صنعه أحدهم، يبكيه الجميع. مع تضارب الآراء والتوجهات والتحزّب الذي شهدته الساحة الفنية المصرية أخيراً، لم يجتمع الناس على بكاء أحد الراحلين كثيراً. ربما كان أحمد فؤاد نجم (1929 ـ 2013) أبرز من حصلوا على الشجن الجماعي بمجرد رحيله عن عالمنا. وأمس، لحق به صديقه الكوميدي الذي لحّن وغنّى على خشبة المسرح قصيدته «الممنوعات».


فارق مسرحنا الطالب المشاغب والابن المُستهتر، والصاحب الوفي سعيد صالح. «أنا بقى الواد هوّ، مرسي الزناتي أبو القوّة، أنا جدع كُلّي مروّة، وقلبي أبيض من جوّة، أموت أنا في ستّنا حوّا... ذات العيون الناعسة». كانت تلك هي الكلمات التي قدّم بها صالح نفسه في شخصية «مرسي الزناتي» في أشهر مسرحياته «مدرسة المشاغبين» التي تعد من أهم أعمال المسرح العربي حتى الآن وربما الأشهر على الإطلاق. في هذا العرض الذي تم تقديمه في أيار (مايو) 1973، كان صالح يجسد دور «مرسي» نجل أحد كبار تجّار الإسكندرية، وهو الشاب المشاغب متعدد العلاقات الذي هرب أثناء إجازته الدراسية إلى بيروت ليعود إلى مدرسته ويستكمل مسيرة الشغب والرسوب حتى قامت الأستاذة عفّت عبد الكريم (سهير البابلي) بتقويمه فنجح.


«مدرسة المشاغبين»
تعد من أهم أعمال المسرح العربي


اليوم قال لنا «سلطان السكّري» جملته الشهيرة في مسرحية «العيال كبرت» ملقياً تحيَّته «فوتّكم بعافية»، ولحق بأخويه عاطف السكّري (يونس شلبي) وكمال السكّري (أحمد زكي) اللذين سبقاه إلى عالم الخلود. اليوم، أدركنا جميعاً أننا نحن «العيال» الذين كبروا، وفقدنا عيال الجيل السابق الذين خلّدوا أسطورتهم الفنيّة في قلوبنا إلى الأبد.
«سقّفوا سقّفوا، وكل ما تسقّفوا، أنا أخرج عن النص واتسجن». بهذه الجملة خاطب سعيد صالح جماهيره في المسرحية السياسية الساخرة «كعبلون» (1985) حيث جسّد شخصية «حمدون السايح» الذي ظل يبحث عن إجابة لسؤال «أين يكمن عقل الإنسان».
اعتاد سعيد صالح أن يقدّم الكوميديا التي تعتمد على تركيبة الموقف والحوار، ولم يبتذل يوماً ولم يتوقف عن نقده اللاذع لسياسات النظام المصري. عبارته الشهيرة ألقت به في السجن لسنوات إسقاطاً على حال مصر بعد «ثورة 23 يوليو 1952». قال يومها: «أمي اتجوزت تلات مرات، الأوّل أكلنا المِشّ، والتاني علّمنا الغِش، والتالت لا بيهش ولا بينش». الأول هو الزعيم الراحل جمال عبد الناصر الذي وصفه بأنه دعا الشعب إلى التقشف وأكل المِش (الجبن القديم)، والثاني هو السادات الذي وصفه بمُعلّم الغش والنصب نظراً إلى سياسة الانفتاح الاقتصادي في زمنه، ما أدى إلى انتشار النصب والاحتيال. والثالث قصد به المخلوع حسني مبارك الذي لم يقم بأي دور وترك كل شيء قبيح يتمدد ويتفشى في البلاد على مدى 30 عاماً.
تركنا الزاهد في الشهرة، والمترفّع عن المال، المُخلص بشدّة لإضحاك عقولنا. ضحكة بوعي شديد، ووعي مضحك بشدة. تركنا ورحل بعدما أغرقنا في الكوميديا.
تركنا «سلطان السكّري» راكباً «الموتوسيكل» ليضحك آخرين في عالم آخر. تركنا «مرسي الزناتي» في «مدرسة المشاغبين» بعدما تخرّج منها. تركنا «حمدون السايح» في سجننا الكبير ليتحرر ويلتقي أميرة أحلامه في عالم آخر. تركنا من غنّى على خشبة المسرح من كلمات أحمد فؤاد نجم: «مسايا وصباحي بسبّح بحبك، وحبك شفايا وجراحي يا مصر». تركنا «بركات الدمنهوري» بطل فيلم «سلام يا صاحبي» لنقوم بدور «مرزوق الكوتش» قارئين له الفاتحة، مُلقين عليه التحيّة، مودِّعين قائلين «سلام يا صاحبي».