الحرب الإسرائيلية المستمرة على غزّة فرضت أسئلة جوهرية حول أداء الإعلام في العالم. في بريطانيا تحديداً، اتخذ الأمر منحى أكثر جدية. في وقت سجّلت «غارديان» وغيرها من الصحف أخيراً تحوّلاً إيجابياً ملموساً ضد الجرائم الإسرائيلية في القطاع، اتجهت أنظار المتخصصين نحو الشاشات وتحديداً إلى bbc. علماً بأنّه في 15 تموز (يوليو) الماضي خرجت تظاهرة تطالب «هيئة الإذاعة البريطانية» بإظهار حقيقة الاحتلال الإسرائيلي لغزّة وما يحصل هناك وسُلّمت «بي بي سي» عريضة وقعها أكثر من 400 ألف شخص لكن يبدو أنّ المؤسسة البريطانية العريقة تعاني من مشكلة جدية في السمع والبصر.


في مقابل اتهامات الانحياز التي تلاحق bbc، برزت أخرى مشابهة في وجه القناة الرابعة البريطانية لكن لمصلحة الفلسطينيين. اتهامات ازدادت في الفترة الأخيرة في أوساط مؤيدي الصهيونية خصوصاً بعدما قاله جون سنو عبر المحطة، قبل أن يُنشر الفيديو على موقعها الإلكتروني ويوتيوب. بعد انهاء زيارته إلى غزّة التي استمرت خمسة أيّام، خرج المذيع في channel 4 (رسمية) الجمعة الماضي على الجمهور، سارداً تفاصيل ما شاهده على الأرض (الفيديو متوافر على موقعنا). تحدّث الصحافي البريطاني عن الإصابات في صفوف الأطفال والمدنيين الفلسطينيين، عارضاً مشاهد من الشارع الغزّاوي وسط الدمار، وأخرى للغارات الإسرائيلية ومن «مستشفى الشفاء»، منتقداً حكومة بلاده والمجتمع الدولي والأمم المتحدة لـ«عدم اهتمامها بوقف ما يجري». في النهاية، توجّه إلى المشاهدين داعياً إيّاهم للتعاون لإحداث تغيير ما! المقطع المصوّر في استديوهات channel 4، حصد أكثر من مليون مشاهدة على مختلف المنصّات. وفي السياق، أوردت «غارديان» أوّل من أمس أن إحدى المشاهدات تواصلت مع المحطة التي تأسست عام 1982 لتبلغها بأنّ طفلتها (8 سنوات) كتبت رسالة إلى وزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند، للتعبير عن قلقها، قائلةً في رسالتها: «من المؤسف أن يقتل ويجرح كل هذا الكم من الناس في غزّة، خصوصاً الأطفال والنساء. إنّها غلطتنا». وتابعت الفتاة: «نحن نشارك في قتلهم لأنّنا نزوّد إسرائيل بالسلاح. علينا التوقّف عن ذلك. أتمنى أن تتحدث إلى الحكومة لوقف هذه المأساة».
في المقابل، صارت القناة الرابعة بنظر البعض «مدافعةً عن الإرهاب». تصنيف حسمه تعليق المتحدثة باسم التلفزيون على ما عرضه جون سنو: «في إطار تغطيتنا المكثفة لما يجري في غزّة، أمضى الأخير خمسة أيّام هناك، شاهداً على أحداث مرعبة ومأساة إنسانية. ردود الفعل إيجابية جدّاً، ونحن فخورون بالتحديات التي يخوضها طاقمنا أثناء هذا النزاع».
على الضفة الأخرى، لا تزال «بي بي سي» مصرّة على تبني موقف الاحتلال. في تحقيق نشره أمس على موقع «العربية» الناطق بالإنكليزية، نقل بن فلاناغان عن أستاذ التواصل والتغيير الاجتماعي في جامعة «غلاسكو» غريغ فيلو قوله إن «bbc تتلكأ في إظهار كيف يعيش الفلسطينيون في ظل احتلال عنيف»، مضيفاً: «ببساطة، هي مجرّد مؤسسة مملوكة من حكومة مقرّبة جداً من إسرائيل».
من جهتها، قالت أمينة سليم من «حملة التضامن مع فلسطين» إنّ الشاشة البريطانية «فشلت في غزّة»، لأنّها تصرّ على «تصوير الفلسطينيين على أنّهم معتدون من دون أن تقول لجمهورها إن إسرائيل هي قوّة احتلال»، كما أنّ تغطيتها تُظهر العدوان الصهيوني على القطاع كأنّه «رد فعل على صواريخ حماس وأنفاقها». وشددت على أنّه يبدو أنّ «بي بي سي» ما زالت عالقة في «حقبة الاستعمار»!