بغداد | رغم اتساع المشهد القصصي في العراق، إلا أنه كان يفتقر دوماً إلى المواهب السردية ذات القيمة العالية، ولذلك طفت على السطح تلك التجارب المتواضعة التي قُدِّر لها أن تظهر في سنوات المحنة التي فرضتها طبيعة المنطقة والصراعات التي قُدِّر للعراق أن يكون حطبها الأساسي عبر حروب شكلت الحاضنة للكثيرين من الكتّاب المتبايني الموهبة الذين تحولوا إلى أسماء تمارس حضوراً «فراغياً».


كان فيصل عبد الحسن (1953) أحد الأصوات التي شاء حظها العاثر أن تظهر في ذلك الزمن. وعلى الرغم من أنه لم يكتب وقتها سوى بضع قصص، وروايتين صغيرتين تناولتا أدب الحرب من وجهة نظر سلبية، فقد حظيت كتاباته تلك باهتمام جبرا ابراهيم جبرا وعلي جواد الطاهر، وحصلت على جوائز تقديرية.
لم يكتب فيصل أدباً تعبوياً مثلما فعل بعضهم. لقد كتب أدباً ذا مواصفات جديرة بالقراءة. بعد ذلك اختلف الرجل الكاتب مع مدير «دار الشؤون الثقافية» محسن الموسوي، وقدم استقالته، ونزل الى الشارع يبيع أكياس الفاصولياء الرطبة من أجل إعالة أطفاله، منضمّاً الى طبقة العاطلين والكادحين، على الرغم من خبرته الطويلة وتخصصه في الهندسة الميكانيكية. هذا الذي كتب أفضل رواية عراقية على الإطلاق «عراقيون أجناب» (1999)، وكتب أفضل القصص في جيله، لم ينصفه أحد، لأنه لم يكن يجيد فن العلاقات.


نبرته السردية تعيش بين الناس وتستثمر حكاياتهم ومصائرهم


كان لا بد من هذا التمهيد لإزالة اللبس الذي أصاب سيرة هذا الكاتب، ونحن نقرأ مجموعته الأخيرة «بستان العاشقين» (دار الشؤون الثقافية ــ بغداد).
عبد الحسن المقيم حالياً في المغرب يذيّل مقدمة مجموعته بإهداء إلى ابنه محمد الذي لم يقل كلمة في حياته منذ ولد في هذه الدنيا/ البستان. يستعير صاحب «أعمامي اللصوص» (2001) الوظيفة الرمزية للبستان ويسقطها على الحياة والأرض. الحياة والموت هما الثيمتان الأساسيتان للمجموعة التي تضمّ 21 قصة. يتحرك شبحهما على صفحات الكتاب برمته، من دون أن تحدّ من ثقل هاتين الثيمتين تلك السخرية المبثوثة بين طيات كتابه.
إلى جانب حضور ثيمة الموت، تبرز السخرية المرة كوجه الآخر لتلك المأساة التي تبرزها تلك النصوص، كأن يكتب: «كان هو نفسه سيكون موضوعاً لقصة من قصص الضحايا، لو لم يسرع بالإفلات من شبكة الموت»، أو «اخدموا شعبكم من موقعكم بتقليص أعداد الناس، فإضاعة لحظة من وقت عملكم إضاعة لفرصة من التقدم والحياة! ووقّع ذلك الكلام بتوقيعه الذي يشبه رمية الزّهر، و«لقد رأيت في عملي ذاك الكثير من الماء الساخن لإزالة شعر العانة». وفي أحد النصوص، يمكن أن نتأمل سخرية تمرّ عبر مشهد الموت: «طلبت منه أن تمر جنازة أبي بالسوق لتعرف حبيبته القديمة. لكن الزوجة التي تعرف تلك القصة القديمة لزوجها مع بائعة القماش، شعرت بالغيرة القاتلة، لهذا كسرت وصية زوجها الميت، وأمرت أن تسير جنازة زوجها خارج السوق». بقرب مكبّات النفايات والكلاب السائبة، كانت وصية الزوج المتوفى أن تكتب على قبره هذه الجملة الطويلة التي تلخص معنى حياته. لكن ذلك لم يتحقق للزوج المسكين الذي وقع في شر أعماله حياً وميتاً، وكانت هذه الجملة جملة عدمية، لكنها منصفة: «أفنى عمره بالدفاع عن الوطن ومات معوزاً ومريضاً». ولكن النقَّاش أفهمهم بأن الأوامر مشددة عليهم من الحكومة، وأنّ عليهم الاكتفاء بكتابة اسم المرحوم وعمره وآيات قرآنية وتاريخ وفاته، وأن لا يزج بالأموات في القضايا السياسية! فالسياسة من مشكلات الأحياء لا الأموات. ورغم أنّ العامل المسكين أظهر للجدة كومة كبيرة من الأوراق الرسمية المختومة من جهات عديدة ليقنعها بضرورة الالتزام بما تريده الحكومة، إلا أن العجوز لم تقتنع بوجهة نظره، واتهمته بالجبن، وممالأة الحكومة. وفي نص آخر يرد هذا المقطع: «تحرك المبارك إلى زاوية الدار، وجلس مدندناً بأغنية مركبة، تشترك فيها كلمات من أغنيات لعبد الحليم حافظ، وفريد الأطرش، وأم كلثوم بمصاحبة نشيطة لأنغام الربابة الحزينة. كدت أنفجر ضاحكاً من ذلك الكوكتيل الغنائي العجيب. قلت لزوجتي محاولاً تهدئتها! حبيبتي ونبض قلبي. أخيراً حصلنا على الدجاجة التي تبيض ذهباً». لكن شبح الحياة الذي يعلن عن حضوره لا يعزز تلك المسيرة المنثلمة، ولا يوجد ما يبعث على الأمل غير تلك الشطحات الساخرة، وهي ليست كافية لبعث الأمل، ولردم تلك الهوة التي نتأرجح على تخومها من خلال الموت.
«بستان العاشقين»، عمل آخر في رحلة الكاتب الذي بدأ تجربته بالغوص في الشخصية العراقية، ولا تزال نبرته السردية تعيش بين الناس وتستثمر حكاياتهم ومصائرهم.