صدقت نبوءة بعض النجوم السوريين، وبدأت الدراما تكرّس نفسها بناء على طلب المنتج لمحاكاة المسلسلات المدبلجة والتركيز على القضايا الشخصية في محاولة استنساخ أعمال تركية ومكسيكية، وتسخير كل الخبرات لإنجاز هذه الأعمال من «روبي» مروراً بـ «لعبة الموت»، وصولاً إلى «الإخوة» و«لو».

أما الموسم المقبل، فيعدنا بـ «الأسود يليق بك» (مقتبس عن رواية أحلام مستغانمي) الذي يشرف النجم عابد فهد على مهمة تحويله إلى عمل درامي (الأخبار11/8/ 2014). كذلك، أبرمت «سيدرز آرت برودكشن» (معروفة بشركة «الصبّاح») عقوداً مع السيناريست بلال شحادات والمخرج سامر البرقاوي والكاتب نجيب نصير كمشرف درامي، إضافة إلى النجوم تيم حسن ونادين نجيم ويوسف الخال لإنجاز مسلسل جديد على غرار «لو» الذي حقق نجاحاً جماهيرياً. على أن يقدم العمل قصة حب وخيانة مشابهة لـ «لو» لكن بأسلوب مختلف.

وتهمس لنا مصادر من داخل الشركة بإمكانية أن يتحول «لو» إلى مشروع سنوي. في مقابل ذلك، باشرت شركة «غولدن لاين» السورية تصوير الخماسية الأولى من مسلسل «صرخة روح3» بعنوان «صدفة غريبة» عن قصة لمدير الإنتاج يامن ست البنين، أعدّتها ناديا الأحمر وكتبت السيناريو والحوار الخاصيْن بها، فيما سيتولى إخراجها تامر إسحاق. والعمل في المجمل يضيء على قصص الخيانة الزوجية. وأخيراً، كشفت بعض المصادر لـ «الأخبار» أنّ المخرج حاتم علي يبحث عن نصّ يقدّم قصة حب عادية لموسم رمضان 2015، بعد الفشل التسويقي الذي مُني به مسلسله المميز «قلم حمرة»، إضافة إلى ازدياد الطلب من المحطات على المسلسلات الستينية.


يعتبر سيف الدين السبيعي أن «الإخوة» أفضل ما قدّم
في هذا النوع

كيف يُنظر إلى هذا الموضوع؟ وهل صارت قصص الحبّ الطويلة هي المحور الوحيد الذي تدور حوله الدراما؟ يجيب سامر البرقاوي في حديث إلى «الأخبار»: «لا يمكن للمحطات أن تخضع شركات الإنتاج لهذا التكليف. لكن المشكلة تكمن في الفهم الخاطئ لهذا النوع من الدراما وتحويره باتجاه الإسفاف والابتذال. ما يحمي هذا النوع من الهبوط هو التعاطي معه بجدية واحترام، ليس فقط في طريقة صناعته بل أيضاً بالشكل الذي يتلقّاه المشاهد». ويرى مخرج «لو» أن هناك أحكاماً مسبقة ومتسرّعة تعتبر هذا الصنف من الدراما ذا قيمة فنية أدنى، وعدم الفرز أخرج هذه الأعمال من دائرة النخب، ما أفقدها القدرة على الإفادة من المحاكمة النقدية والموضوعية والارتقاء نحو الأفضل». المسألة تختلف عند السيناريست السوري نجيب نصير الذي طلّق الكتابة وتفرّغ لإعادة كتابة نصوص الآخرين، أو تقديم المشورة الدرامية لبعض الشركات. يرى صاحب «زمن العار» (إخراج رشا شربتجي) أنّ الدراما السورية كانت رسالة ثقافية متمايزة إلى مستهلكها، لكنّها اليوم «قاب قوسين أو أدنى من الفناء، بدلالة منتجاتها في السنوات العشر الأخيرة، إضافة إلى أعمال الموسم الأخير. بدلاً من صنع دراما ضرورية لا يُستغنى عنها، خرجت أعمال يمكن تجاهلها بسهولة». على المنوال ذاته، يجزم مؤلف «الانتظار» (إخراج الليث حجو) أنه «لولا بعض الاستثناءات لوجب القول بأنّ الدراما السورية برعت في تقديم فروض الطاعة والولاء للمشتري وهو المنتج ذاته، انطلاقاً من صرعات البيئة الشامية إلى تقليد التركي أو اللاتيني، وصولاً إلى الحكايات التشويقية الساذجة بحسب تفضيل المموّل، لتنتقل الدراما من نوع إلى نوع ومن حضن إلى آخر، وهذا ما حوّلها ويواصل تحويلها حالياً إلى ورشات عمل بالقطعة. أضف إلى ذلك ضغط لقمة العيش، وهو ورقة إضافية تُجبر الفنيين والفنانين على قولبة مهاراتهم بحسب العرض». يخلص نصير إلى «انعدام الإحساس بأيّ نوع من المنافسة الارتقائية من قبل المنتجين مع منافسين موجودين أو محتملين، وما تقدّمه هذه المنافسة الإبداعية من مواصفات تحوّل سلعتهم من العرض إلى الطلب، بل تنافسوا في ما بينهم على إفساد السوق نفسها، عبر تسابقهم على أعتاب المحطات». يختلف المخرج سيف الدين السبيعي مع كل ما سبق، مختصراً القصة بـ «أن ما يقدّم من قصص حبّ طويلة وسخيفة هو نوع تعتمده المحطات ضمن أنواع أخرى»، ويعتقد أنها موضة يكثر الطلب عليها. ويعتبر مخرج «الإخوة» بأنّ الأخير كان أفضل ما قدّم في هذا النوع. أما الممثل السوري قاسم ملحو، فيذهب إلى أنّ «الدراما ليست طفلاً مدللاً يربّى في كنف أبويين حنونين من دون تدخّل الأقارب أو الشارع في تكوينه».
ويعتبر أن المشكلة تكمن في «فتح الباب على مصراعيه لكلّ من تسوّل له نفسه العبث في هذه المهنة، إذ يمكن لخمسة منتجين أُميين أن يدخلوا اليوم إلى ميدان الإنتاج من دون أي ضوابط. وفي النهاية الدراما هي مشروع إعلامي لا يمكن أن يكون ذا صبغة ثقافية بحت كما هي الحال في المسرح والسينما والأدب».
رأس المال يحكم، والحب هو بداية الحكاية ونهايتها بالنسبة إلى الدراما السورية، والنتيجة الحتمية أننا لن نشاهد بعد اليوم أعمالاً ذات مضامين مهمة، إلا في استثناءات فريدة ونادرة، وسيكون الحبّ موعدنا بعيداً من أيّ ملاحم عاطفية أو قصص تعطي الفرصة لإلقاء الضوء على تفاصيل مهمة وواقعية.