على غرار بعض الشعراء والفنانين الذين زاروا نيويورك (أو مدناً وأماكن أخرى) وأنجزوا شيئاً عنها أو تأثروا بها، رسم جميل ملاعب (1948) انطباعاته وتأملاته عن المدينة أثناء دراسته فيها بين عامي 1984 و1987. وحين نتحدث عن انطباعات، فهي تعني أساساً الاصطدام الأول بالمدينة وإيقاعها وتعدد هوياتها. الصدمة الأولى ستبقى في ذاكرة الفنان اللبناني، وستظهر في لوحاته الأولى كما في لوحاته التالية. إنه عالم نيويوركي يتجدد يومياً ويتسرب إلى اللوحة بمشهدياته المختلفة وإعلاناته الصاخبة ونهر البشر الذي يملأ الشوارع والجادات والجسور، ويبدو متضائلاً ومطحوناً تحت جبروت ناطحات السحاب. وهو عالمٌ يصدم أيضاً العالم الذي جاءت منه تجربة الفنان الذي كان يمزج بين طبائع ريفية وأمزجة مدينية لها علاقة بممارسات تعبيرية وتجريدية وانطباعات ملحّة عن الحرب الأهلية التي كانت لا تزال مستمرة حين وصل إلى نيويورك.
لوحات جميل ملاعب في معرضه «نيويورك ـــ نيويورك» الذي تحتضنه حالياً غاليري «جانين ربيز»، هي لقاءٌ بين هذا العالمين، مع انحياز شديد إلى «العالم الجديد»، وهي التسمية التي أُطلقت على القارة الأميركية كلها عقب اكتشافها قبل قرون. العالم الجديد يضيف تفاصيل وعناصر جديدة على لوحته، ويتدخل في تأليف هذه اللوحة، وفي إعادة تأليفها بالكامل أيضاً.

عناصر مأخوذة من بوسترات المدينة وعلاماتها، من الجاز والسينما والمسرح والبوب آرت والغرافيك والكيتش

داخل هذه اللحظة الصدامية، أنجز جميل ملاعب ومحفوراته وأعماله الطباعية والليتوغرافية، وراح يقبل على عالمه الجديد الذي توفره الحياة النيويوركية اليومية، والذي يتوفر أيضاً عبر تأويلات ومناخات دراسته الأكاديمية، والمزيج الذي يجمع بين جانبي هذه التأثيرات، ويفتح السبل أمام بداية شبه جديدة وطازجة لمقاربة الرسم مع ممارسات عديدة سابقة. لا نتحدث هنا عن علامات سطحية أو تأثيرات ساذجة على تجربة ملاعب في ذلك الوقت، بل نرى مكونات وعناصر تتعرض لمثاقفة معرفية ووجدانية، وتدخل في اختبارات ذاتية وشرقية حصرت سابقاً في أعماله. هناك نوع من الاغتراب الوجودي في الأعمال العائدة لتلك الفترة، وهو ما يظهر في النفوذ الواسع لجزئيات الحياة الأميركية وأساطيرها اليومية وأيقوناتها البصرية ومشهدياتها المتعاقبة تحت أضواء المدينة التي تطحن حياة سكانها وعابريها. كأن لوحات ومحفورات ملاعب هي محاولة حثيثة لخلق انتماء ما إلى جريان المدينة ومزاجها القاسي أو الذي يبدو، لشدة تسارعه وميكانيكيّته، قاسياً وعنيفاً وعبثياً أيضاً. ومن هذه المحاولات، نرى تلك الواقعية الأميركية «القذرة» التي تحضر في اللوحات المعروضة على شكل كولاجات ومونتاجات داخل مساحات متجاورة ومتلاصقة لعناصر مأخوذة من بوسترات المدينة وعلاماتها، من الجاز والسينما والمسرح والبوب آرت والغرافيك والكيتش. لا نرى في أعمال ملاعب تأثيرات صافية من تيارات أميركية محددة، بل نرى محمولات ومقاطع ومذاقات متفرقة وعشوائية من تجارب عديدة، وهي تأثيرات مشروطة على ما يبدو بالهوية الأولى للفنان اللبناني الذي ظلت ممارساته السابقة تجد لها مساحات داخل تجربته النيويوركية القصيرة. ولعل لحظة العرض الحالية في بيروت، ووضع أعمال من تلك التجربة إلى جوار أعمال جديدة أنجزها ملاعب في زيارة أخيرة إلى المدينة ذاتها في العام الماضي، تصنع نوعاً من التصالح بين الزمنين، زمن الصدمة وزمن الوعي، وهو ما يظهر في المفارقة الساطعة بين قساوة المحفورات والطباعيات العائدة إلى ثمانينيات القرن الماضي، وبين المسحة السياحية والبانورامية للوحات الجديدة. يستطيع زائر المعرض أن يقارن بين التجربتين، وأن ينحاز أكثر إلى التجربة الأولى التي تتضمن تنوعاً لافتاً في التقنية، وجاذبية في الاشتغال على عناصر متناهية في الصغر داخل التأليف العام. هناك نوع من التحدي والقلق في تلك الأعمال التي لا تزال تنبعث منها انطباعات الصدمة الحضارية والاغتراب الممزوجين بطموح قوي لمجاراة ذلك، وتحويله إلى مادة فنية ستمثّل لاحقاً مرحلة أو تجربة داخل مسيرة الفنان الذي يبدو أن تأثيرات رحلته الأميركية ظهرت في أعمال أخرى تعود إلى الثمانينات وما بعدها، وامتزجت تلك الجزئيات والتفاصيل مع مشهديات الحرب الأهلية اللبنانية، وهو ما رأيناه في معرضه الاستعادي السابق "حياة تستحق العيش" الذي احتضنته غاليري "جانين ربيز" نفسها قبل عامين. ويبدو أن معرضه "نيويورك – نيويورك" (وهو اسم اسم فيلم نيويوركي جميل أيضاً) يدخل ضمن مفهوم الاستعادة نفسها.

* «نيويورك – نيويورك»: حتى يوم غد ــ غاليري «جانين ربيز» (الروشة) ـ للاستعلام: 01/868290