صدر أخيراً كتاب «سوريا: لماذا أخطأ الغرب؟» Syrie: Pourquoi L’Occident S’est Trompé? لمستعرب وخبير فرنسي مطّلع بشكل مكثف على الوضع السوري وذي مواقف خاصة في هذا الشأن قد لا تتوافق مع مواقف جهات أخرى. يعتبر الكاتب فريديريك بيشون الذي أصدر كتابه عن «دار روشيه» الفرنسية، أنّ القيادات الغربية عموماً، بما في ذلك الولايات المتحدة، اختارت بعد دخول الحرب السورية عامها الرابع، التكيّف (الى حدّ ما) مع الوضع القائم. وعزى ذلك إلى الأخطاء التي ارتكبتها الدول الغربية في هذا الملف، على رأسها الاعتقاد بأنّه يمكن تحقيق أي تدخل عسكري غرب في سوريا من دون مواجهة مع روسيا، وأنّ الجيش السوري أَضعف مما أثبت كونه فعلاً على الأرض، وأن اثارة الغرائز الطائفية ستؤدي الى نزاعات تُسقط النظام.


كما أخطأت القيادات الغربية ـ برأيه ـ في عدم توقع هيمنة جهات متطرفة على القوات المسلحة المعارضة للنظام، وأنّ هذه الجهات ستقمع المعارضين السوريين الآخرين نظراً إلى وجود عدد كبير من الأجانب في صفوف هؤلاء المسلّحين الدوليين المتطرفين الذين لا يرغبون في مشروع سوري محدّد الأهداف.
وانتقد بيشون سياسة فرنسا الخارجية في المجال السوري، مشيراً الى أنّها كانت تعرقل في أحيان كثيرة مواقف أميركا وأوروبا في التوصل إلى حلول في سوريا، بالتفاهم مع روسيا، فكانت «أكثر ملوكية من الملك» ساعيةَ الى تحسين علاقاتها وصفقاتها التجارية مع دول المنطقة الغنية، من جهة، ومن دون تفسير منطقي من جهة أخرى. لم تدرك فرنسا، برأي الكاتب، أنّ داعمي النظام السوري لم يكونوا روسيا والصين وايران وحدهم، بل تضاف اليهم دول أخرى كدول «البريكس» (البرازيل، افريقيا الجنوبية وغيرهما). وأورد المؤلف أنّ الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بنى عدداً كبيراً من الجوامع في منطقة مسقط رأسه لكل المسلمين وأن ابنه بشار تزوج من فتاة من عائلة سنية معروفة لتأكيد تقربهما من المسلمين الآخرين، خصوصاً السنّة رغم انتمائهما إلى الطائفة العلوية. كما أكدّ أن حافظ الأسد حاول إلى أقصى الدرجات التقرّب من البورجوازية السنيّة التي تملك وتستثمر رؤوس الأموال في المدن السورية، وبعده سعى الابن إلى استمرار هذا التوجه. كما أن حافظ الاسد استحصل على فتوى من الامام الشيعي المغيّب موسى الصدر تجعل العلويين في مساواة باقي المسلمين في اعتناقهم للإسلام. وكان العلويون ــ وفق الكاتب ـ قد حصلوا على هذه الفتوى عام 1936، من مفتي فلسطين السني الحاج أمين الحسيني. وتابع الكاتب أنّ انفصال بعض القيادات السورية العسكرية (من سائر الفئات الدينية وخصوصاً الأقليات) عن الجيش السوري كان وظل محدوداً، فيما الكتائب العسكرية التي انفصلت، كانت غالبيتها من مناطق ريفية وليس من المدن السورية.
وانتقد الكاتب انتشار الفساد لدى بعض الجهات السياسية السورية النافذة محاولاً إظهار موضوعيته في هذا الشأن. غير أنّ هدفه الأساسي كان محاولة تحذير الدول الغربية، خصوصاً فرنسا، من أنّ الموجة التكفيرية على شاكلة «داعش» و«النصرة» ستنتقل ــ لا محالة ـ الى الدول الغربية في العقود المقبلة، إذا لم يوضع حدّ لانتشارها في سوريا والعراق والمناطق الأخرى من العالم العربي عبر سياسات غربية واقليمية بعيدة النظر.


الاستثمارات الخليجية في سوريا جلبت معها التطرف المذهبي


وأكّد بيشون أنّه قبل انطلاق أنشطة الحركات المعارضة في سوريا عام 2011، كانت الاستثمارات الخليجية منتشرة بشكل مكثف في سوريا بتشجيع من النظام. بيد أن الأخير ـ وفق المؤلف ـ لم يدرك أنّ الذي قد يأتي مع هذه الاستثمارات هو التطرف المذهبي والايديولوجيات الدينية. ورأى أن أميركا والدول الغربية دعمت وتدعم سياساتها في العالم بواسطة المنظمات غير الحكومية الدولية الانسانية التي توفر لها الأموال والاختصاصيين والضوء الأخضر السياسي لدعم الجهات المقرّبة من السياسات الغربية بالعتاد والسلاح، والمساعدات الانسانية.
أما عن الدور الروسي، فرأى بيشون أنّ العامل الأهم (رغم وجود عوامل اقتصادية واستراتيجية أخرى) بالنسبة إلى الدعم الروسي للنظام السوري كان محاولة تأكيد فلاديمير بوتين وقيادته للدول الغربية أنّ ما حدث في العراق عام 2003 (في ليبيا أخيراً) لن يتكرر في سوريا، ولن يجري الاستيلاء على المصالح الروسية فيها. وبالتالي، اعتبرت روسيا أنّها حامية المسيحيين الارثوذكس والأقليات الأخرى في سوريا والمنطقة، وطبعاً حامية لمصالحها في حصتها من الطاقة التي ستُستَخرج في المستقبل من البحر المتوسط، ولاستمرار عمليات بيعها النفط والغاز الى أوروبا، من دون السماح ببناء ومدّ أنابيب نفطية وغازية من الخليج، عبر سوريا الى أوروبا ومنافسة روسيا في هذا المجال.
وتطرق بيشون الى علاقة حافظ الاسد بروسيا وأميركا، مشيراً إلى أنّه حاول ألا ينخرط كلياً في المحور السوفياتي ويبقي العلاقات السورية طبيعية مع أميركا. لكن توقيع الرئيس المصري أنور السادات معاهدة سلام مع اسرائيل عام 1978، دفعه الى توثيق علاقاته مع الاتحاد السوفياتي. هكذا، زار موسكو عام 1979 ووقع معها (عام 1980) معاهدة صداقة وتعاون ما زالت مفاعيلها مستمرة حتى اليوم. وبرأي الكاتب، فإنّ هذا الأمر لم يكن بدوافع ايديولوجية، بل بدوافع الواقعية السياسية، فالأسد الاب (كالاسد الابن) حبّذ علاقات جيدة مع البورجوازية السنية ومع الاستثمارات والمشاريع الضخمة التي تؤمنها لسوريا. كما أنّه استمر في رغبته بعلاقات طبيعية مع أميركا عندما شاركت سوريا في القوات الدولية التي أخرجت الرئيس صدام حسين والجيش العراقي من الكويت مطلع التسعينيات. وبالتالي، فمن الممكن ـ وفق الكاتب ـ ترميم العلاقة السورية الأميركية إذا توافرت المصالح المشتركة، مع أنّ بشار الأسد عاد ليوثّق العلاقة السورية-الروسية مع الرئيس بوتين في كانون الثاني (يناير) عام 2005، حين أعفت روسيا عن 75 في المئة من ديون سوريا. لكن بعد ذلك بشهر، اغتيل رئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري، وتغيرت المعطيات في المنطقة واتجهت بعض الجهات لعزل سوريا دولياً، ما أدى إلى تقرّبها وتحالفها بشكل أكبر مع النظام الإيراني.
ودعا الكاتب الى تضافر الجهود لوقف المدّ الجهادي الإسلامي المتطرف في سوريا وغيرها عبر التعاون بين جميع الجهات ووضع حدّ للتمويل الخارجي للجهات المتطرفة التي سيتوجه جهاديوها الى المجتمعات التي أتوا منها لإحداث الفوضى والقتل وتشويه الاسلام والتعدي على القيم الانسانية في ما بعد.
واعتبر أنّ فرنسا كانت الأسوأ في إدراك خطورة هذا الأمر بسبب قصر نظر قادتها الحاليين، كما كانت قائدة للمجموعة الغربية التي رفضت الاعتراف بأنّ ما حدث في سوريا سيصبّ في خانة المتطرفين الاسلاميين المموّلين من جهات خليجية وعربية الذين تغضّ اسرائيل الطرف عن تصاعد نفوذهم في المنطقة لأسبابها الخاصة