تونس | "خسوف" هو عنوان الفيلم الجديد للمسرحي والسينمائي الفاضل الجزيري (1948). لفت العمل الانتباه في عرضه الوحيد ضمن "أيّام قرطاج السينمائية 26" التي ودّعها الجمهور التونسي قبل أسبوع. هذا الشريط سجّل عودة الجزيري إلى الشاشة الكبيرة بعد آخر أعماله "ثلاثون" (2007) الذي استحضر فيه الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أحاطت بتجذّر المشروع التنويري التونسي في الثلاثينيات، وكان من أبرز ملامحه ظهور أبو القاسم الشابي، والطاهر الحداد، والحركة النقابية، والحزب الحرّ الدستوري الجديد الذي قاد معركة الاستقلال بقيادة الزعيم الحبيب بورقيبة مؤسس الجمهورية. في المسار عينه، يواصل الجزيري المسكون بتاريخ تونس وروحها الحفر في الواقع التونسي ليقدّم للجمهور "خرافة"، كما يسميها، تكشف تفاصيل تونس الجديدة التي تتعرض لمحاولات استعمار خليجي وهابي نيابة عن الإدارة الأميركية، لكنها ما زالت ترفع راياتها وتقاوم. تلك هي رسالة الشريط الجديد.
تحملنا الكاميرا في جولة بانورامية عبر المعمار العتيق الشاهد على الحضارة الحفصية والعهد الحسيني

"خسوف" هو قصة الأسعد الشهير باللص (علي الجزيري) ضابط الشرطة الذي يحقّق في جريمة قتل مقاول بناء كبير. يقوده التحقيق الى اكتشاف حلقة ربط بين المقاول القتيل ومجموعة من المقاولين والتجار المتورطين في تسفير الشبان عبر قوارب الموت إلى أوروبا بعد انتدابهم كعمال بناء، ثم تحوّلت وجهة التسفير بعد الثورة إلى سوريا وليبيا ومالي والعراق! مناطق ساخنة يمثّل فيها الشبّان التونسيون الرقم الأول في عدد المقاتلين، كذلك يكتشف الضابط الصلة مع مهرّبي العملة والسلاح والسلع الفاسدة والمخدرات عبر الشريط الحدودي مع ليبيا، بخاصة مدينة بنقردان. سيقوده التحقيق أيضاً إلى صلة هذه الشبكات بالبناءات الجديدة في ضواحي العاصمة مثل "البحيرة" في إطار تبييض الأموال. وخلال تحقيقاته، يلتقي ضابط الشرطة مصادفة بهند (ياسمين بوعبيد) منتجة تلفزيونية تقوم بتحقيق عن شبكات التسفير والإرهاب والتهريب. تنشأ بينهما قصّة حب عاصفة. ورغم التهديدات التي يواجهها الأسعد وهند للكفّ عن مواصلة البحث عن رجل الأعمال الميناوي (رؤوف بن عمر)، يواصلان رحلتهما غير عابئين بخطر الموت وينتهي الشريط باغتيالهما واغتيال القاضي المتعهد بالقضية! شريط "خسوف" ــــ كما يوحي به العنوان ــــ يقدّم تونس الجديدة التي تكاد تموت وتنطفئ الأضواء التي أنارتها عبر تاريخها بعدما أصبحت وفق تقارير المنظمات الدولية من عواصم الفساد وتبييض الأموال. يرصد العمل التحوّلات التي شهدتها بلاد الطاهر الحداد بعد خمس سنوات على سقوط نظامها السابق على أثر احتجاجات شعبية لعبت بعض القوى الدولية عبر الإعلام وضخّ الأموال على تضخيمها وانتشارها، وصعود الإسلاميين إلى الحكم، لتبدأ مأساة تونس اليومية كما سمّاها الفاضل الجزيري في دردشة مع "الأخبار". في ١٠٥ دقيقة وعبر حكاية حب بسيطة، يغوص بنا الفاضل الجزيري في تشعبات المشهد التونسي الذي تتحكّم به المافيا التي اخترقت الدولة أجهزة الدولة، بخاصة الأمن والمخابرات، وهيمنت على القضاء والجمعيات الحقوقية والمحامين. وبين مشهد وآخر، نرى العلم الوطني التونسي مرفوعاً على سطوح منازل مدينة تونس العتيقة. كذلك تحملنا كاميرا الجزيري في جولة بانورامية عبر المعمار التونسي العتيق الشاهد على الحضارة الحفصية والعهد الحسيني. وفي ثنايا المشاهد، نرى شاباً حاملاً زياً رياضياً، وعليه اسم إمارة قطر لتأكيد الدور القطري في تخريب تونس عبر حليفيها حركة "النهضة" والرئيس السابق محمد منصف المرزوقي. الشريط موجع ومؤلم، أنجزه الجزيري كعادته في كل أعماله بروح تشكيلية وشعرية، إذ يبدأ بالأوراد الصوفية التي تنشد في المآتم في دلالة على حالة الاحتضار والخسوف التي تعيشها البلاد. كذلك نرى وجوهاً غائمة الملامح لا نكاد نتبينها في إحالة على السقوط المدوي للتونسيين الذين لا نكاد نعرفهم بعد 14 كانون الثاني (يناير) ٢٠١١. لكن وسط كل هذه العتمة، يرتفع العلم الوطني ويرتفع معه صوت نجمة الغناء التونسي الراحلة علية وهي تنشد "بني وطني" التي يهتز لها وجدان التونسيين، إذ تحيلهم على معركة جلاء القوات الفرنسية الغازية في ١٩٦٢. الفاضل الجزيري يستنهض في هذا الشريط الجديد همم التونسيين لخوض معركة الاستقلال من جديد، ورفض الثقافة الخليجية الوهابية الغازية، وإعادة بناء الدولة بتخليصها من المافيا ولوبيات الفساد ومن المتطرفين الذين دسّتهم حركة "النهضة" في كل مفاصل الدولة، ما حولها إلى دولة عاجزة. شريط "خسوف" هو صرخة كما سمّاه الجزيري حتّى ينتبه التونسيون إلى بلادهم التي تحتضر، ويقفوا صفّاً واحداً من أجل إنقاذها، فهو بهذا العمل يؤرخ للحظة مفصلية في تاريخ تونس المعاصر.