ظافر يوسف، الجامع للأضداد، يجد مكانه النموذجي في بيروت. الليلة محطّته العربية الأولى في «ميوزيكهول» البحري، بدعوة من «مهرجانات بعلبك الدوليّة» ضمن جولة عالميّة يقدّم خلالها عمله السابع «ترنيمة للطيور». الحزن لا يفارق مقطوعات ظافر يوسف (١٩٦٧)، لكنّه حزن تأمّلي، يحمل بين ثناياه فرحة سريّة. سكينة ونشوة، وتمرّد هادئ، وتمازج متع الروح والحواس. أعماله ـــ نذكر منها «إلكتريك صوفي» (2001)، و«ظلال إلهية» (٢٠٠٦)، و«أبو النواس رابسودي» (٢٠١٠) ـــ تشي بعالم مركّب.


يلتقي عنده الحلاج وابن الفارض وأبو نواس، وصولاً إلى مواطنه الصعلوك: الصغيّر ولاد أحمد. نحن في حضرة تجربة موسيقية وفكريّة، قائمة على الإشراق والتمرّد، الكلاسيكيّة والتجريب، التواصل العضوي مع التراث الحي، والقطيعة مع الايديولجيا الميتة. يرشدك إلى سلام داخليّ ويدعوك إلى التمرّد، هذا الصوفي الإلكتروني. يتحكّم بنفَسه بمهارة، وتمتاز أوتاره الصوتيّة بليونة مدهشة. يتأرجح بك من الأصوات المنخفضة والمرتفعات الشاهقة. يأخذك بين الإلكترونيّات والصوفيّة، الجاز وروح الشرق. بين روحانيّة تصاعديّة، وحسيّة لا تخفي ماديّتها وأرضيّتها. الحريّة ثيمة محوريّة لدى هذا الفنان العابر للثقافات، باسماً مطمئنّاً، على خلفيّة أصيلة حملها معه من قرية الصيادين التونسيّة، بكتّابها ومساجدها ومتصوفيها، إلى فيينا وباريس ونيويورك وإسطنبول.
بين موسيقيّي «ترنيمة للطيور»، ستغيب الليلة الكلارينيت (حسني سنلنديريتشي) والترومبيت (ونيلز - بيتر مولفاير) والقانون (وايتاتش دوغان)، ليحضر إيفيند آرست (غيتار كهربائي، وأصوات إلكترونية)، وكريستيان راندالو (بيانو)، وفيل دونكين (دوبل باص)، وشاندر ساردجو (درامز)، إضافة إلى ظافر، «منشداً»، نكاد نكتب، وعلى العود. سنستعيد الحلاج «مُزجت روحُك بروحي/ كما تُمزج الخمرة بالماء الزلال»، «والله ما طَلَعَت شَمسٌ ولا غَرُبَت/ إِلّا وَحُبّكَ مَقرونٌ بأنفاسي». وسيرشقنا، لا مفرّ، بخمرية نؤاسيّة «دعِ المساجدَ للعباد تسكنُها/ وطِفْ بنا حوْل خمارٍ ليسقينا». وداعش؟ إلى مزبلة التاريخ.