تبدو جومانا جمهوري مسكونة بهاجس الإثارة الشكلية في معرضها الفردي الأول «الخيال الجامح: تموّج من خلال الواقع» الذي يحتضنه «مركز بيروت للمعارض» (بيال _ بيروت) حتى 7 أيلول (سبتمبر). وهو هاجس فرضته تجربتها مع حيادية المصانع والعمارة والإسمنت. مشروعها الفوتوغرافي الجديد يضمّ 60 صورة صناعية ومعمارية توزّعت في فضاء العرض بأحجام كبيرة. فيه، قادت المصوّرة اللبنانية رحلة تنقيب عن فسح جمالية مغايرة في المصانع والعمارات التي التقطتها في مصر والأردن والبرازيل ولبنان وبلدان أخرى.


استثمرت جمهوري عناصر المصنع الرتيبة والجلفة بما فيها الشرائط والأسلاك والأدوات الحديدية والبراغي ووالآلات والأنابيب، كي تخرج بلوحات متناسقة هندسياً وشكلياً. الانغماس في الجو المديني والصناعي، لم يقصِ جمهوري عن اصطياد المساحة الفالتة من سطوة الآلات، وخلق نوع من الألفة والتصالح بين الزائر وحديد المصانع في الصور.
انطلقت خريجة «معهد نيويورك للتصوير الفوتوغرافي» من الهيكل العمراني للمصانع في مجموعة Blues for concrete. من خلال التوازن اللوني، وبعض الأطر والشبابيك، تتماهى الأبنية الضخمة والشاهقة مع «الديكور» الخارجي كشاحنات النقل، والماكينات والعمّال. لجأت جمهوري أحياناً إلى تظهير السماء كخلفية ثابتة، لتظهر تضاريس ظلّية للمبنى، بينما استخدمت لقطات «الكلوز آب» على المصنع الكبير، ما أفقد المبنى هويته العمرانية وجعله أكثر تجرداً وقابلية للإسقاطات. التوظيف الخجول للضوء في الأعمال المعروضة، برز بوضوح عبر صورة لأحد المباني أضيئت فيه غرفتان مليئتان بالآلات. أضفت الإضاءة الخفيفة حميمية وخصوصية على الغرفتين تشبه خصوصية غرف النوم، أو الأمكنة الشخصية. في «إتايبو»، جنحت جمهوري نحو الصناعات العملاقة، ملتقطة صوراً بانورامية لمصانع «إتايبو» لتوليد الطاقة الكهرومائية في سد يقع بين البرازيل والباراغواي.


رحلة تنقيب
عن فسح جمالية مغايرة في المصانع والعمارات
التضاد الهندسي الصارخ في الاتجاهات، والأحجام الهندسية في المصنع، وأسلاك الكهرباء والخلفية الرمادية الثابتة منحت هذه المجموعة صبغة خرائطية ثلاثية الأبعاد. يعاكس هذه الصور النافرة التسطيح الذي تخلقه جمهوري للعمارات في مجموعة «جناج للصياد» Suite For The Fishermen، وهو تسطيح ناتج من انسيابية وتوافق في الألوان، والأشكال.
انطلاقاً من توجيه آلات وأشياء المصنع عبر مقاييس منتظمة، اعتمدت جمهوري في «سمفونية لطاقة متفجّرة» Symphony For A Burst Of Energy على اللقطة الشاملة والمتعددة العناصر. فعلت ذلك كي تحسن ضبط التكرارات الشكلية، والمسافات المتساوية الفاصلة بين الآلات، والتوافق اللوني، وتساوي الأشكال الهندسية أو تُباعدها. وإذا أردنا رؤية هذه اللقطات من زاوية أخرى، فلن نستطيع فصل الصور الخاضعة لنظام شكلي متناسق عن سرب الآلات العاملة بدقّة، والمكبّلة لمصلحة الكمية الإنتاجية. صور جمهوري أيضاً مكبّلة بإتيكيت الدّقة، والنظافة. هي نظافة الآلات الجديدة وغير المستخدمة التي صورتها. وهذا ما يضفي سمة خانقة وجامدة على الصور، خصوصاً مع غياب الظلال ولعبة الضوء الصافية (تعد منفساً في الصور الهندسية والصناعية) التي من شأنها تليين الأشياء. قد يكون هذا الاتجاه الجمالي مردّه إلى بدايات المصورة التي انطلقت من التصوير التسويقي لبعض المصانع والمؤسسات. غياب العفوية في تركيب العناصر، إلى حد تنميق متعجرف أحياناً، يبدّد كل احتمالات انجاب الصورة لنفسها عملياً. تحلّ مكانها عملية تركيب وهندسة المشهد وراء الكاميرا من قبل المصوّرة، لتقترب بذلك من العمل التشكيلي والرسم. هنا ينكشف الجانب الأكثر انغماساً بالفنون التشكيلية في المعرض عبر «الكونشيرتو المعدنية». اشتملت المجموعة على الصور التجريدية الأكثر نضجاً وتكثيفاً في المعرض. قرّبت جمهوري عدستها على قطع من الألومينيوم والحديد التي فقدت هويتها المادية، بعدما قسمتها وجمعتها في أطر دقيقة متلاصقة من خلال الأسلوب التكرّاري لهذه العناصر.

* «الخيال الجامح: تموّج من خلال الواقع» لجومانا جمهوري: حتى 7 أيلول (سبتمبر) ـــ «مركز بيروت للمعارض» (بيال _ بيروت). للاستعلام: 01/962000




فتش عن الـ sponsor

محاولة البحث عن رسالة سياسية كامنة وراء الآلات الضخمة التي تلتقطها عدسة جومانا جمهوري ستبوء بالفشل. هذا المنحى يغيب كلياً عن المعرض أمام انهماك الفنانة بالشكلي والجمالي الفضفاض. وإذا كان الاتجاه الشاعري قد نجح في انتشال الآلات والحديد من جمودها في الصور، إلا أنه قيّد لقطات أخرى. فلم يتوان عن تذكيرنا ببعض العمارات المنمّقة والمظاهر الجاهزة في بيروت. أما ظهور شعار مصانع «إسمنت السبع» في بعض الصور، فليس عفوياً كما قد يخيَّل لنا في البداية، بل يتطابق في مصادفة (؟) مع اسم الشركة المطبوعة في الصفحات الأولى من كاتالوغ المعرض كأحد رعاته ومموليه.