الرباط | يبدأ «القصبة تهتزّ» (2013) بمشاهد خارجية لمدينة طنجة في فصل الصيف. يعيش المصطافون هدوء الفصل، لكن في فيلا راقية تعيش أسرة صوفيا (مرجانة العلوي) حادثاً يفترض أنه مأسوي: موت الأب.

يموت الأب الثري مولاي الحسن (عمر الشريف) تاركاً بناته الثلاث وأرملة وسرّاً يكتشفه المشاهد في النهاية. خلال أيام الحداد الثلاثة، تَكْشف الأرملة وبناتها أسراراً عائلية ويُعِدْن ترتيب التركة المعنوية لـ «رجلهن». عبر استعارة الأب الميت، تطمح ليلى المراكشي (1975 ــ الصورة) إلى إعادة تركيب قصة بـ«توابل شرقية»، مفادها أنه حين تسقط سلطة الأب الطاغية، تسقط معها الأقنعة والأكاذيب.

طيلة ساعة وأربعين دقيقة، تضيء المخرجة المغربية المقيمة في باريس على ثرثرات نساء حول الاغتراب والزواج والجنس. حكايا قد تشكل تفاصيل مهمة في الفيلم، لكنّ المخرجة تعجز عن استثمار معرفتها بهذه الشريحة من المجتمع المغربي لخلق حبكة قوية تجر المشاهد إلى آخر الفيلم. يحكي «القصبة تهتزّ» عودة صوفيا (مرجانة العلوي) من أميركا لتأبين والدها. هنا تلتقي أمها (هيام عباس) وأختيها (نادين لبكي في دور مريم المهووسة بجسدها، ولبنى الزبال الأعقل بين أخواتها). تلعب مرجانة العلوي دوراً غير بعيد من دورها في «ماروك»، الفتاة الثائرة على العائلة وأكاذيبها. صوفيا المتزوجة من أميركي، تقيم في الولايات المتحدة. أما بنات عائلتها، فما زلن خاضعات للتقاليد. يحضر الأب أيضاً من خلال شبحه الذي يتجول في حديقة الفيلا الكبيرة ويحكي قصته. رغم أنّ «القصبة تهتزّ» يحكي قصة عائلة مغربية، إلا أنّ الكاستينغ بطعم «دولي» جلي. بطلاته من جنسيات مختلفة لبنانية وفلسطينية وتونسية وجزائرية وفرنسية وأميركية. اختيار يظهر أن المخرجة لم تكن تُخضع اختيارها للممثلين لواقعية قد تفضحها اللكنات والفهم لسلوكيات وطرق تصرف المغاربة. الكاستنيغ يدل كما لو أن الفيلم موجّه أساساً إلى جمهور غربي يضع العرب في سلة واحدة. هذا الاختيار يجعل من بعض اللحظات وخصوصاً العبارات بالعامية المغربية، تكشف أن الممثلين لا يقتربون بشكل كاف من «الثقافة» المغربية. ورغم بعض المشاهد «الغريبة»، إلا أنّ احترافية الممثلين تقنع وتغطي على النقص الذي يعتري بعض المشاهد.
تحاول المراكشي من خلال «القصبة تهتزّ» تقديم قصة عن أغنياء المغرب، ما قد يبرر الطابع «التجاري» للفيلم. إنها حكاية لا تحتاج إلى الكثير من التفكير، ويبقى كشف سر العائلة في نهاية الفيلم التفصيل الوحيد الذي يخرج من رتابة «المأتم». لكنه أيضاً غير محبوك بما فيه الكفاية ويدخل نفق كليشهات «النهاية السعيدة».
تقول المراكشي في أحد حواراتها إنّ جنازة أحد أخوالها في الدار البيضاء كانت الدافع وراء فكرة الفيلم. تنثر في تفاصيله بعض الإشارات التي تجعل البطلة تشبهها. زوج البطلة مخرج أميركي، بينما هي في الواقع زوجة المخرج الفرنسي ألكسندر أجا. صوفيا تختار العيش في الغربة كما قرارها هي في الواقع. هي تفهم جيداً البورجوازية المغربية تماماً كما بطلتها، لكن العمل ليس سيرة ذاتية. هذا اللبس بين الواقع والخيال عاشته المخرجة أيضاً مع فيلمها الروائي الأول «ماروك» (2005). أثار الأخير الكثير من الجدل في المغرب لأنه يحكي قصة مراهقة مغربية تعشق شاباً يهودياً، ما جلب عليها انتقاد المحافظين المغاربة. لكنه جعلها في قلب السجال الذي كان حاصلاً حينها بين الحداثيين والمحافظين في المغرب، خصوصاً حزب «العدالة والتنمية» الذي كان يومها في المعارضة. لم يكن لهذا السجال إلا نتائج إيجابية على الفيلم الذي حقق إيرادات مهمة.
حاولت المخرجة أن تعود بالصلصة نفسها بعد عشر سنوات: انتقاد الذكورية، والميزوجينيا الطاغية في المجتمع، وبضع انتقادات للدين، وسخرية من طقوس الجنازة لدى المغاربة.
ويبدو أنّ المخرجة تعشق عالم النساء. أنجزت قبلاً وثائقيين هما «وراء أبواب الحمام» و»نساء في المملكة الشريفة». في فيلمها أيضاً، أرادت فتح أبواب «القصبة» ودكّها، في استعارة لأغنية مجموعة Clash الشهيرة: Rock the Casbah. غير أن القصف لم يكن ثقيلاً ليدك القلاع. يتعاطف الواحد بالضرورة مع «مولاي الحسن»، وهنا استعارة أخرى لاسم الملك الراحل الحسن الثاني بسبب أداء عمر الشريف أولاً والمسوغات التي تجدها له حبكة الفيلم لاحقاً. وعلى النقيض، لا يجد نفسه أمام قصص مقنعة للنساء.
مع ذلك، قدمت المخرجة صورة «وفية» عن الأغنياء المغاربة، وربما هذه من النقاط التي تحسب لها، فهي توثق لجزء من المجتمع المغربي نادراً ما يلجه باقي المغاربة. تنجح المراكشي أيضاً في تقديم مشاهد مصورة بشكل جيد، ويبقى سيناريو الفيلم احترافياً. أنجزت المخرجة «القصبة تهتزّ» في حمى التحضير لفيلم آخر كانت لتكون له دلالاته القوية. إنّه قصة عن أرملة وأبناء الجنرال أوفقير الذي حاول الانقلاب على الملك الحسن الثاني، بعدما كان الرجل الأقوى في مملكته في عقد السبعينيات. غير أن فشل المحاولة أودع عائلته سجناً داخل أحد المنازل في منطقة نائية لسنوات عانت فيها الأسرة الأمرين. آخر الأخبار تقول إنّ الفيلم وئِد بعدما تراجعت المراكشي عن إنجازه، رغم أنها لطالما تحدثت عنه. المصادر الصحافية التي نشرت الخبر أشارت إلى أن المخرجة تعرضت لضغوط للإحجام عن مشروعها... كأن البطريرك لم يمت بعد.