دمشق | ينظر جود سعيد (1980) إلى ساعة حمص الشهيرة. يعطي تعليمات للفريق الفنّي، فيما يحدّثنا عن أحدث أفلامه «مطر حمص» الذي انطلق تصويره أخيراً. الإعداد للقطة القادمة لا يتوقف على الرغم من الحرّ الشديد. يتأمّل المكان الذي ودّع الحرب، لتدخله الكاميرا متماهية مع ما بقي من بيوت وركام في حارات نالت شهرةً على مستوى العالم. «رائحة حمص اليوم تعيدني إلى بيروت الطفولة» يقول بألم، مستطرداً: «بعض من الموت يقوم بوخز نقاط كانت نائمة في الذاكرة. أستحضر الأبيض والأسود وأشياء كثيرة.


اليوم فهمت لماذا سمّيتُ فيلمي الأول «مرة أخرى»، للأسف». إذاً، يبدو المكان بطلاً أساسياً في الفيلم. يوافق شارحاً: «في الفيلمين الأخيرين كنّا صنّاعاً للمكان والسينوغرافيا من الصفر. في «مرّة أخرى» كان جزءاً من المكان موجوداً. نخلق المكان حتى نصنع ما نريد، ولا نضطر لتطويع الـ Mise en scène حسب الموجود والمتاح. هنا نتعامل مع المكان كممثّل يفاجئك ويغيّر لك ما تصنع. تنشأ منه حكايا غير مخطط لها، وهذا ما حصل. هذا الركام مرتبط بتعاقب أجيال من السوريّين. ساعة حمص، مثلاً، أحد أهم الأمكنة بمعنى الوثيقة وعدم السماح بتشويه الحقيقة، بقيت رغم كل شيء. هي مرتبطة بعودة الحياة والمدنيين لصنع الغد». نعلّق بأنّ الساعة مرتبطة باعتصام شهير أيضاً، فيرد: «حتى لو اختلفت القراءات، لنتفق على أنّ الساعة معلم حاضر في الحدث السوري. لنشترك في هويّة الساعة على الأقل».
التصوير في حمص كان سبب اعتذار بعض النجوم عن الفيلم. هل كان هذا مزعجاً؟ يعلّق جود: «أحترم أسباب كل من اعتذر. بالنسبة لي، حياتي ليست أغلى من حياة أي شخص في حمص، وأستمتع بتقاسم اليومي معهم. مجموعتي مؤمنة أيضاً بما نصنع». هل من تدابير أمنية استثنائية أثناء التصوير؟ يؤكّد: «لا تدابير تختلف عمّا نفعل عند التصوير في أيّ مكان آمن».
«مطر حمص» أعاد جود سعيد إلى المدينة القديمة، بعد تصوير بضعة مشاهد من «بانتظار الخريف» (لم يٌعرَض بعد) في «بابا عمرو» العام الفائت. الشريط يرافق مجموعة من الشخصيات تعيش أزمة حمص القديمة خلال الفترة ما بين شباط (فبراير) وأيار (مايو) 2014، حين خرج المسلّحون وانتهى القتال. «يوسف» و«هدى» يحاولان النجاة وخلق الحياة وسط الموت والدمار، برفقة طفلين وعدّة شخصيات. هي حكاية خيالية تستند لواقع الحرب، وتنطلق عبر الزمان والجغرافيا لرواية الأحداث السوريّة وفق مستويات متعدّدة، تحتفي بالأمل والحياة والحب، وتحيل على تيمة «الهويّة» الحاضرة في كل أفلام المخرج الشاب، منذ «مرّة أخرى» (2010، 96 دقيقة، إنتاج المؤسسة العامة للسينما وسورية الدولية) وصولاً إلى «بانتظار الخريف» (لم يُعرض بعد، إنتاج المؤسسة العامة للسينما و«آدامز برودكشن») ومروراً بـ «صديقي الأخير» (2012، 115 دقيقة، إنتاج المؤسسة العامة للسينما و«فردوس دراما»). يقول سعيد عن الفيلم الجديد: «لم يكن هو المشروع الذي يدور في رأسي بعد «بانتظار الخريف». كنت أفكّر بعمل في صلب الفيلم الحربي. عندما قرأت سيناريو «وقت للاعتراف» الذي كتبته سهى مصطفى، وجدتُ فيه فكرة مغرية، وعوالم يمكن أن يُبنى حولها فيلم سينمائي خاص لثلاثة أسباب: رمزية حمص ودلالاتها في الحدث السوري، قدم المكان وعلاقته بتجذّر الإنسان وارتباطه بالعمارة وطبقات الهويّة السوريّة، خصوصية الشخصيّات وانتماؤها لمكوّن أساسي من مكوّنات هذه الهويّة. بعد تجربتين فيهما الكثير من الكوميديا السوداء، أعود إلى الدراما النفسيّة، دراما الحرب والشخوص». إذاً، هي المرّة الأولى التي يستند فيها صاحب الفيلمين القصيرين «مونولوغ» (2007) و«وداعاً» (2008) إلى قصّة سواه، يقول: «هنا جواب لكلّ من يسأل عن سينما المؤلف. القصة ليست لي، ولكن تمّ تطويعها لتصبح قصّتي الأصيلة التي تنتمي إلى عوالمي. هذا لا يقلّل من جهد أيّ أحد. روح سهى مصطفى حاضرة في ابتكار الشخصيّات، وأرواح من كتب معي سواءً أنت أو سماح قتّال».
نستغلّ معلوماتنا الكثيرة عن عمل المخرج الشاب وخططه المستقبلية. نعلم أنّ «مطر حمص» جزء من ثلاثيّة سينمائية يحضّر لها. يتحدّث عنها قائلاً: «الجزء الثاني سيكون عن حصار المدنيين وخطفهم في ريف اللاذقية، والثالث عن الحصار المائي الحلبي. التيمة الجامعة هي رغبة الإنسان في العودة إلى الحياة، ومحاولة انتصاره على ما يُفرَض عليه. هذا جزء رئيس من هويّة أي مجتمع مقاوم بالمعنى الإنساني والثقافي والحياتي. التغيير القسري تحت مسمّيات جميلة وبرّاقة لا يعوّل عليه. التغيير الحقيقي يبدأ من انسحاب قناعة الفرد على الجماعة. لا أظّن أنّ جميع الأفراد توّاقون للعمل في السياسة، فالحريّة الحقيقية هي أن يختار الفرد نمط الحياة الذي يريد». ولكن ما الذي تقوله هذه الثلاثية؟ هل تدّعي رواية الحقيقة؟ يعطي سعيد بعض التعليمات بخصوص الديكور، ثمّ يجيبنا: «لا أحد ينفرد بالحقيقة اليوم. سمعتُ الكثير من الافتراضات المسبقة عن الفيلم، ولأصحابها أقول: على مَن يمتلك كمّا هائلاً من وسائل الإعلام ألا يخاف من فيلم سينمائي. أقول قناعاتي وما أحب وما أرى، ولستُ بوارد الترويج لأيّ فكرة خارج ذلك مهما كانت. عرض عليّ ما عرض في بداية الأحداث، ولم أكترث. سأعيش مرّة واحدة، وسأقول ما أريد فناً وصورةً. أعتقد أنّ هذا يحمل الكثير من الحقيقة التي لا يرغب كثيرون في سماعها. إضافةً لذلك، أنا لا أصنع فيلماً وثائقياً. هذه حكاية إنسانيّة تقول وجهة نظر. فليقل الآخرون ما يريدون. نحن لا نكذب، ولكن نخاف أن نخدش وجه الحقيقة».
سبق جود سعيد إلى حارات حمص بعض زملائه: طلال ديركي في «العودة إلى حمص» (2014، 88 دقيقة)، وأسامة محمد في «ماء الفضة» (2014، 92 دقيقة) الذي أنجزه مع الشابّة سيماف وئام بدرخان. نسأله عن التجربتين التسجيليتين، فيقول: «على حدّ علمي، أسامة محمد مقيم في باريس ولم يأتِ إلى حمص. شاهد من خلال عيني شريكته في العمل، وهذا حقه، التي غادرت يوم خروج المسلحين. فيلم طلال ديركي لم أشاهده، ولكن علمتُ أنّ شخصيته الرئيسيّة التي يروّج لها الفيلم بايعت داعش أو النصرة، لا فرق فالعقيدة واحدة. لم أشاهد الفيلمين، ولكن لي ملاحظة. تمّ تصويرهما تحت سلطة مسلحي المعارضة، ومنهم إسلاميون متشددون، وهذا حقهما. من هنا، لا يأخذنّ أحد علينا أنّنا نعمل تحت مظلة وزارة الثقافة». هل يمكن أن تكون السينما السوريّة جامعة للمختلفين مجدداً؟ يجيب: «طبيعة السينما أن يلتقي فيها المتناقضون، ولكن طبيعة بعض العرب العاملين في السينما إقصائيّة أكثر من بعض الحاكمين بأمر الله أو بأمر أنفسهم. إذا كان لديهم مشكلة مع السلطة، فهم قاموا بسحبها على المنتج السينمائي لعبد اللطيف عبد الحميد ولي، على سبيل المثال لا الحصر، وعملوا على منعنا من المشاركة مهرجانات دولية. هل هذا نابع من قلّة ثقة بالنفس أو بمنتجهم أو بما يدافعون عنه؟ هل هي محبّة زائدة أم خوف علينا من الفشل في المحافل الدولية وتشويه صورة الوطن؟ ما أعلمه أنّ ما نصنعه سيبقى وسيشاهد. أنا سأدافع دائماً عن عرض أيّ فيلم مهما اختلف معي في القناعات، وهم يعلمون أنّ هذا قول حقيقي وقمت بتنفيذه».
بعد إنجاز سيناريو «مرة أخرى» (وقبله فيلمان قصيران) منفرداً، لجأ جود سعيد إلى شراكات كتابيّة متنوّعة. نسأل عن فائدة ذلك وهو القادر على الكتابة. هل هي لسماع صوت آخر حتى لو تفوّه بالحماقات كما كان حال بونويل مع كاريير أم هو التقاء فكري وفني كما سكورسيزي مع شريدر وكيسلوفسكي مع بيزيفيتش؟ يقول: «هي نوع من النضج وبناء الثقة مع ذاتي في الخلق السينمائي. مبدأ الشراكة يغني ويضيف أرواحاً أخرى ويوسّع مروحة الرؤية، ويزيد عدد الألسنة. إنّه ممتع كذلك، وأنا اجتماعي بطبعي». هذه الشراكات الفنيّة تنسحب على مدير التصوير والإضاءة وائل عز الدين منذ الروائي الطويل الثاني (عمل مع جود كوراني في الفيلم الأول). يعلّق قائلاً: «العلاقة مع مدير التصوير حسيّة عقلية. هناك جانب تنفيذي بحث، كوني من المخرجين الميّالين إلى إضافة لمسة في بناء الكادر. كما أنّها علاقة خلق مشترك، فهو يضيف شيئاً من روحه. ثمّة نوع من الفهم والتواطؤ السينمائي. نتطوّر ونبحث معاً عن رؤى جديدة في الصورة». في أسلوبية جود سعيد، يُلاحَظ ميله للقطات العرضية والعمودية مع عمل كثير على «الميزانسين» والديكور. هل هي هوية فنيّة لسينما الهويّة؟ يوافق مبيّناً: «هذا جزء من طريقتي في رؤية الأشياء. أنقل العالم كما أراه، وأقوم بتطويره ليلائم ما أحكي. أبني «الميزانسين» على أساس حسّي، ووفق علاقتي بصرياً بالمحيط وطبيعة الحكاية وشخوصها. شخصيات أفلامي مأزومة، مثقلة بأبعاد نفسية، وشديدة الالتصاق بالأمكنة. هذا يمنح نوعاً من المتعة في تشكيل هذه العلاقة، ويتطلّب حركة الكاميرا التي ذكرتَها». يُلاحَظ أيضاً كثير من الاشتغال على بنية السيناريو، فيما يترك الحوار أحياناً للحظته. نسأل: هل هو انتصار للصورة على حساب الحكي؟ يقول: «الحوار مقرّر سلفاً، ولكن أترك المفردات والكلام إلى النهاية. هذا جزء من الرتم الذي أعمل عليه. الحوار جزء من شريط الصوت، وليس الصوت كلّه. الصورة، ومن ضمنها الضوء، أوّل عناصر روي الحكاية. يليها الصوت، ومن ضمنه الحوار. ودائماً أترك شيئاً للممثّل ليضيف من قاموسه وروحه».
في إطار التيمات والعناصر المرافقة للفيلموغرافيا الخاصّة بجود سعيد، تحوم موضوعات الهوية والذاكرة والتمسّك بالحياة والأمل. ثمّة نوع من البراءة الطفولية حتى في بعض الشخصيات السلبية، مع قصص حب شعرية نوعاً ما. الفائز بالجائزة الكبرى في «مهرجان الفيلم العربي في سان فرانسيسكو» (2010)، والحائز جائزتَي أفضل فيلم عربي ولجنة التحكيم الخاصة في «مهرجان دمشق السينمائي السابع عشر» (2009) عن «مرّة أخرى» يعلّق قائلاً: «تربّيت سينمائياً في المعهد على الهويّات الفنيّة الذاتيّة التي تروي هويّات جمعيّة. أعتقد أنّ لبّ الفن هو أن تنقل الكون من خلال ذاتك للآخرين. كيف يمكن أن يكون الحاضر أكثر جمالاً، والغد أقل ألماً، وأحياناً فقط أن نبتسم. في المقابل، أقرأ في بنية ما أصنع، وأظنّ أنّ أفلامي تقترح تحليلاً للواقع يتوافق مع رؤيتي. «صديقي الأخير» لم يقترح معالجة رقيقةً لتيمة الفساد. قال بوضوح إنّ الأزمة المجتمعيّة أنتجت أزمة عنفيّة لاحقاً».
في منزله بدمشق، يعلّق جود سعيد صور ثلاثة سينمائيين: الإسباني لوي بونويل والأميركي فرانسيس فورد كوبولا والصربي أمير كوستاريتسا. «هذه الصور ليست للديكور أو الفرجة. أعلّق صورمَن أحب، ومن أثّر بي. كتاب بونويل «أنفاسي الأخيرة» وسينماه وسّعوا مساحة الرؤية عندي. كوبولا أكثر من أغراني ببصرياته الملاصقة لحكاياه، واقتصاده في الدم ضمن أفلام مليئة بالعنف وعلاقة السلطة بالإنسان. كوستاريتسا هو الشخص الذي دفعني لدراسة السينما بعد مشاهدة «زمن الغجر»، وكان لي الشرف أن يحبّ فيلمي الأول «مرة أخرى»».