«راني نِهدر معاك، وين تراك تبات يا حنون»، تأتي هذه العبارة بلهجة جزائرية محكية على لسان متحّرش، اعتادت عليها الشابّة الأمازيغية كُهينة وتأقلمت معها متفهّمة لوصفها بالحنونة السهلة المُريدة. تبدد العبارة كميّة هائلة من الوقت والأحزان التي تنام في رأسها، هي التي «وُلدت في الحدة وعاشت في الضجيج». لكُهينة جسد بدين وبطن متدلية ورقبة معوجّة وتريد من العالم أن يتقبّلها، من دون إعادة تقويم.


هي بطلة «كتاب الخطايا» (المؤسسة الوطنية للنشر ــ الجزائر) لسعيد خطيبي (1984)، تسرد لنا سيل الهزائم التي كانت لها في الحياة مع «رجال يُحبّون بسرعة وينسون بسرعة» وعبرهم سيأتي الجنين الذي كان «يكبر يوماً بعد يوم ويتجه إلى الحياة وأنا أتمنى له الموت». تأتي رواية كُهينة مسرودة على لسانها وقد أكملت تسجيلها مكتوبة على ورق، وتقول بمجموعة «خطايا» انطلقت بخطيئة واحدة لكن سرعان ما تذهب إلى تكاثرها وتعددها لتصل إلى حالة من التيه وسط مجتمع لا يبدي تسامحاً بالمطلق تجاه اتخاذ المرأة لحرية من هذا النوع المُخل بأسس البيئة المُتفق عليها عرفياً.
في الواجهة، يبدو «كتاب الخطايا» تقديماً لحالة أنثوية اجتماعية، قد لا تخص الجزائر بمفرده بل يمكن العثور على مثيلاتها في أكثر من مجتمع عربي. لكن تظهر إشكاليات أخرى وراء تلك الصورة العامّة، لتُفصح عن معضلات جزائرية شتى أبرزها سؤال الهويّة.
هنا، يقول سعيد خطيبي إنه لم يخطط بشكل مسبق لأن تكون هوية البطلة أمازيغية، بل جاءت من تلقاء نفسها مفروضة من واقع شِراك أسئلة الهوية التي تحاصر المجال الجزائري. كما لم تجد بعد إجابات ممكنة لها، حيث يُكتفى بنقاشات محصورة، طوال الوقت بين اتجاهين واحد متعصب لذاته في حين يقابله خصمه بتخوينه.


ظهور كاتب ياسين عبر روايته «نجمة» وبعض أعماله الشعرية
هكذا تتجاوز المحصلة حقيقة الجزائر المتعددة ثقافياً ودينياً، و«بدلاً من ذهاب الكلام بهدف الفصل بين تلك الهويّات على أساس الانتماء، ينبغي تمتين حلقة وصل بينها كلها، فهيّ غنيّة بتعددها لكنّها في مجموعها هويّة لشعب واحد وهذا ثراء ثقافي محمود وليس العكس». قد يتسق هذا الأمر مع ظهور الأديب الجزائري كاتب ياسين في «كتاب الخطايا» مراراً عبر روايته «نجمة» وقصائد من أعماله الشعرية (المُختارة عبر الفرنسية جاكلين أرنو وترجمها سعيد خطيبي نفسه إلى العربية). هكذا لا يبدو مرور صاحب الرواية على ياسين اعتباطياً. على الرغم من نص ياسين الأدبي المكتوب بالفرنسية، إلا أنّه «الحاضر دائماً في اللاوعي الأدبيّ الجزائري نصاً وروحاً»، مؤكداً أن نصه ما زال مستمراً في مقاربته للصور الاجتماعية البالية التي أمعنت في انتهاك حياة كُهينة وذهبت في التنكيل بها. وهو انتهاك لا يزال سائداً ومحمياً عن طريق تواطؤ جماعي غارق في صمته أمام ما يحدث من ممارسات بحقّ المرأة واستمرار تجريدها من حقها في امتلاك ذاتها المستقلة. يشير خطيبي إلى أن شخصية كُهينة تحضر في «كتاب الخطايا» باعتبارها نموذجاً مصغراً لمجتمع يمعن في ساديته ومازوشيته. كما أنها تمثيل بسيط من جيل نسائي واسع، نشأ تحت حكم سلطة ذكورية واستبداد ونظرة دونية إلى المرأة وإدخالها في إطار توصيف واحد ومطلق عاكس لصورة العار. هذا الأمر يتعمق حين تكون المرأة عزباء، وبلا زوج يمارس مهام حمايتها من عنف البيئة الذكورية المحيطة بها. لا يتردد خطيبي في التنويه إلى أن مثل هذه الممارسات «قد برزت سابقاً أيام ثورة التحرير، وسبق لفرانز فانون أن تعرض لبعض المعاملات الدونية التي كان يفرضها مجاهدون في صفوف جيش التحرير الوطني على مجاهدات، لكن الوضع ازداد في السنوات الأخيرة الماضية».
في جانب آخر، تظهر أزمة الهويّة الثقافية واللغوية عبر أمازيغية كُهينة نفسها من جهة، وفرنسية المجتمع الجزائري من جهة أخرى، وإغراق النص الروائي بعبارات دارجة وفرنسية دونما اتباعها بترجمة أو بهوامش توضيحية. عملت تلك العبارات التي لن تبدو سهلة الفهم لغير المتحدثين بها، على إغراق العمل في محليته، إلا أنّ ذلك جاء ربما بقصد الإشارة إلى تلك الأزمة ذاتها. أزمة يسعى «كتاب الخطايا» إلى جعلها مفتوحة للنقاش عبر الإضاءة على قضايا التعريب التي يعتقد خطيبي بأنها أتت عبر معارك تبناها أطراف في «حزب جبهة التحرير الوطنيّ» من أجل إحداث تمييز بين جهة وأخرى، فـ «للعربية مكانتها كما للفرنسية، ومسألة تداخل لغتين مختلفتين في مجتمع واحد إنما يعتبر عامل إثراء ثقافي، وتنوّعاً مهمّاً، كان من المفروض أن يستغل من جانبه المضيء، بدل أن يستخدم كورقة سياسية لتصفية بعض الحسابات».