أوائل عام 1969، حمل لي أحد صديقين الأول الشاعر عز الدين المعاصره والثاني لعله الكاتب الفلسطيني منذر عامر مجموعة لسميح القاسم (1939 ـ 2014) الذي لم يكن معروفاً ذلك الحين. كان عنوان المجموعة «بانتظار طائر الرعد» بطباعة سيئة وبورق جرائد، وقال لي ذاك الصديق، إنّه هربها بوسائله الخاصة خوفاً من سلطات الاحتلال، وقال لي بالحرف الواحد إنّ سميح يتمنى إعادة طبع هذه المجموعة في بيروت. قرأت المجموعة وقلت في نفسي هذا شاعر كبير وهو أحد اثنين كبار، هو ومحمود درويش. لكن درويش كان الأكثر شهرة.


حملت هذه المجموعة الى الشاعر الراحل يوسف الخال الذي أبدى إعجابه بها وطلب مني نشرها كاملة في مجلة «شعر» وهذا ما حصل. بعد نشرها في المجلة، حملتها الى صاحب «الآداب» الراحل سهيل ادريس. عندما قرأها أعجب بها إعجاباً شديداً، لكنه طلب مني أن أقدم لها. قلت له إني لست ناقداً، فقال: اكتب ما تستطيع. كتبت عنها حوالى 20 صفحة. كانت مجرد انطباعات، فنشرها سهيل ادريس بطبعة جميلة مع المقدمة، وهنا ظننت أنني قد أديّت واجبي.
قبل نشر المجموعة، كنت قد أجريت حواراً مع الشاعر الفلسطيني الراحل يوسف الخطيب الذي سبق أن قام بعمل جبار، اذ استطاع التعريف بشعراء الأرض المحتلة فأصدر كتاباً بحجم كبير، تحت عنوان «ديوان الوطن المحتل». كانت هذه أول تجربة تجمع هذا الشعر قبل غيره بزمن، اذ قال لي إنّ أكثر شعراء الوطن المحتل خصباً في العطاء الشعري هما محمود درويش وسميح القاسم. الأول هو شاعر البعد «الوطني» من القضية الفلسطينية، بينما الثاني هو شاعر البعد «القومي» من القضية. لعلّ هذا السبب هو الذي جعل محمود درويش في دائرة الضوء عندنا أكثر من غيره من شعراء الوطن المحتل، فموضوعه هو «الوطن» الذي أمده بغنائية عالية، عالمية، بينما بدا ازاءها القاسم في همومه «القومية» كأنه يابس الحنجرة أحياناً، أو كأنه يريد أن يفكر أكثر مما يريد أن يقول شعراً.
ما يبدو لنا من قراءة الشاعرين جيداً أن كُلاً منهما قد استعار لنفسه شخصية «تيلمياك» الإغريقي في جانب من جوانب نفسه المعذبة المضطربة. درويش هو تيلمياك المتشبث حتى أسنانه بأُمه «بنيلوب» التي يجب أن تعني الوطن، أي فلسطين، بينما سميح القاسم هو تيلمياك الآخر، المتسكع عند كل الموانئ في انتظار عودة أبيه «بوليسير» الذي يجب أن يعني بدوره القوم أي الأمة. ويلاحظ من يقرأ الشاعرين جيداً أنّ كلاً منهما قد أقام بنيانه الشعري كاملاً على هذا الاساس أو ذلك.
لكن عندما قرأت «بانتظار طائر الرعد»، وجدت القاسم وقد لحق بدرويش في غنائيته هذه المرة على نحو جديد يشعرنا أنّ الطرواة قد عادت إلى حنجرته.
التقيت بسميح القاسم للمرة الأولى في لندن ضمن «مهرجان الشعر العربي» الذي أطلقه آنذاك رياض الريس، وكان في ظنه أن يقيمه كل عام. وقد حصلت «هيصة» أن القاسم منعه الأمن البريطاني من دخول البلد، فهو معروف عنه أنه شيوعي، وكانت الشيوعية كفراً وقتذاك لدى الغرب. توقف المهرجان لنحو ساعة والاتصالات من كل جانب الى أن سمحوا له بدخول بريطانيا لمدة أسبوع فقط، وهذا ما كان.
في إحدى الجلسات التي جمعتنا معاً، دخل الشاعر بلند الحيدري، فأشار إليّ القاسم ـــ ولم يكن يعرفني بعد ــ أن أترك كرسيّي لبلند، فحدقت به مزوراً بين حاجبي ولم أترك مكاني، إلا أنّ أحد الضيوف ترك مكانه للشاعر العراقي. في اليوم الثاني وعلى حفل العشاء التكريمي، اتجه نحوي معتذراً، فقلت له: هذا عدم لياقة منك، أتعرفني من أنا؟ أجاب: لا. قلت: حتى لو كنت لا تعرفني، فمن عدم اللياقة من شخص يجلس على كرسي أن يترك مكانه لآخر. احمر وجهه وارتبك، قلت له: أنا ياسين رفاعية، فشدني وعانقني معتذراً. منذ ذلك اليوم، أصبحنا صديقين، خصوصاً لمّا عرف أنني الذي اهتممت بـ «بانتظار طائر الرعد» وكتبتُ له مقدمة.
التقيت به بعد ذلك مراراً خلال مؤتمرات أدبية أو مهرجانات شعرية في القاهرة، فلم يكن يتركني. ذات مرة، أقاموا لنا نزهة على مركب في النيل، وكان الهواء شديداً، فطارت قبعتي وسقطت في النهر. لم أعبأ، لكنه في اليوم الثاني اشترى لي قبعة وأهدانيها.
على ذكر شعراء المقاومة في الصحافة مع رحيل القاسم، فقد غاب اسم شاعر المقاومة الأول معين بسيسو الذي توفي قبل هؤلاء جميعاً في غرفة في أحد فنادق لندن. وأُشيع وقتذاك أنّ للاستخبارات الاسرائيلية يداً في موته، بعد ذلك رفضت إسرائيل السماح لأسرته أن يوارى الثرى في غزة حيث ولد ونشأ وانتمى هو الآخر إلى الحزب الشيوعي.
في عام 56 عندما هاجمت فرنسا وإسرائيل صحراء سيناء وقناة السويس، صارت الإذاعات تقدم أناشيد حماسية من بينها نشيد «الله أكبر». لكن نشيداً آخر لفت الرئيس عبد الناصر، يقول مطلعه: «أنا إن سقطت فخذ مكاني يا رفيقي في الكفاح/ واحمل سلاحي لا يخفك دمي يسيل من السلاح». سأل عبد الناصر: من هو هذا الشاعر؟ فقالوا له إنّه معين بسيسو، وهو الآن في السجن مع مجموعة من الشيوعيين، فأمر باطلاق سراحه فوراً.
هناك طرفة عن بسيسو أنّ فلاحة مصرية دقت باب بيت معين حيث كان يقيم في ضاحية من ضواحي القاهرة. وعندما فتح معين الباب، وجد تلك المرأة تحمل ديكاً وسكيناً وطلبت منه أن يذبح لها الديك فأغلق الباب بوجهها غاضباً. عادت وطرقت مجدداً ففتحت الباب زوجة معين مليكة فقالت لها الفلاحة: كل ما طلب منه أن يذبح الديك. أليس هو شاعر المقاومة وليس قادراً على ذبح ديك، فطيبت مليكة بخاطرها وادخلتها البيت وذبحت لها الديك.
أقول هنا إنّ معين بسيسو كان الأول في شعر المقاومة ولكن لم يعط حقه كما يجب.
رحم الله الجميع واسكنهم الجنة
* روائي سوري