القاهرة | حزن مضاعف داهم الصحافة المصرية ومؤسسة «أخبار اليوم» بوفاة الكاتب الساخر الكبير أحمد رجب (1928 ـــ 2014) أمس بعد أقل من 30 يوماً على وفاة رسام الكاريكاتور مصطفى حسين. في البدء كان الكلمة، المقولة الشهيرة حوّلها الراحل أحمد رجب إلى «نصف كلمة». هكذا عنون أشهر مربع في الصحافة المصرية على مدار أكثر من نصف قرن. مربع يمكن من خلاله رصد تاريخ مصر خلال سنوات طويلة عبر الكتابة الساخرة.
رجب الذي دخل الصحافة من بوابة «أخبار اليوم» يعد التلميذ الأشهر في مدرسة مصطفى وعلي أمين الصحافية، نجح في تصدر قائمة أبرز الكتاب الساخرين في مصر لعقود طويلة، إلى جوار محمود السعدني ومحمد عفيفي قبل أن يلحق بهم جلال عامر في السنوات العشر الأخيرة. لكن رجب توافرت له ظروف كثيرة جعلته الأكثر استمرارية والأوفر حظاً على مستوى التسويق.

ظروف تتعلق باختياراته السياسية وبوضعه سقفاً منخفضاً قليلاً للمعارضة. لم يقترب من شخص الرئيس وركز هجومه على الوزراء ورئيسهم.


تصدّر قائمة أبرز
الكتاب الساخرين
لعقود طويلة
لكن حتى على مستوى الوزراء، كان يعرف كيف يختار هؤلاء المكروهين شعبياً، فيركز على وزير المالية، ويبتعد من وزير الداخلية. ما سبق وفر لرجب مساحات كبيرة من النشر في مطبوعات «أخبار اليوم» قبل أن يبتعد في فترة صعود ممثلي جمال مبارك في الصحافة المصرية ثم يعود بالقوة والتميز نفسهما في الكتابة القصيرة الساخرة اللاذعة. كتاباته في الأشهر الأخيرة قبل أن يقعده المرض، جلبت عليه انتقادات ربما لم يعتدها طوال مشواره الصحافي الذي استمر أكثر من ستين عاماً. على مستوى التسويق، وجد فرصاً أفضل من رفاق الدرب الساخر. ساهمت شراكته الفريدة مع رسام الكاريكاتور مصطفى حسين في انتاج الكثير من الشخصيات المضحكة التي حظيت بشعبية كبيرة بين الجمهور وتحولت إلى حلقات كارتونية أو درامية تعرض في شهر رمضان. كان رجب العقل المفكر لحسين منذ نهاية السبعينيات، والفرق ظل واضحاً بين رسومات حسين التي يكتبها رجب، وتلك التي يتصدى لها رسام الكاريكاتور الراحل بمفرده. خلقا سوياً شخصيات شهيرة أبرزها فلاح كفر الهنادوة الذي كان لسان حال بسطاء الشعب أمام الرئيس مبارك وزرائه. لكن الفلاح كان دائماً يغمز ويلمز في نشاطات الحكومة من دون أن يدخل في الموضوع مباشرة. أيضاً، فشخصية عبده مشتاق صنعها رجب وحسين للتعليق على المشتاقين للحصول على الوزارة، وقاسم السماوي كان المواطن الحاقد والكاره لأي نجاح، وعبورة النائب الفاسد في أي انتخابات برلمانية، ومطرب الأخبار كان شخصية كوميدية تتعرض للضرب في كل فرح.
«الحب» هو سلسلة خاصة جمعت بين أفكار رجب وريشة حسين حول العلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمع المصري. ورغم شهرته العريضة وتوهجه المستمر، اختار أحمد رجب الابتعاد من الأضواء. من الصعب العثور على حوار تلفزيوني له في العقود الأربعة الأخيرة. ظهوره الاجتماعي كان محدوداً جداً. آراؤه يكتبها فقط في اصدارات «أخبار اليوم» التي غابت عنها كتابات رجب منذ أشهر بعد دخوله المستشفى متأثراً بأمراض الشيخوخة. منع المرض أحمد رجب من رثاء صديقه وشريكه مصطفى حسين قبل أن يسمح له القدر صباح أمس باللحاق به.