بلد يستدعي شاباً حرقَ علم تنظيم إرهابي إلى التحقيق، ويجعل صحافييه يمثلون أمام جهات عسكرية بل يساقون الى مخفر كأي مجرمين بسبب نشر قناتهم صور جرحى هذا التنظيم في «مستشفى بيروت الحكومي»، أقل ما يقال فيه بأنّه فقد صوابه. «في حرب لبنان على الإرهاب، يتم ترهيب الصحافيين» تقول مراسلة «الجديد» نانسي السبع (الصورة) لـ»الأخبار» في عبارة تختصر السريالية الحاصلة في التعامل مع هذا السرطان. المسؤولية من جديد ألقيت على الجسم الإعلامي، فهو «يحرّض» أهالي المختطفين العسكريين على الدولة، وهو يقوم بنشر صور لجرحى من «داعش» بعدما ضجت بهم جميع المواقع الإلكترونية من دون استئذان السلطات العسكرية!


أمس، مثلت السبع أمام المحكمة العسكرية بعدما رفضت التحقيق معها في «ثكنة فخر الدين» كما جاء في أمر الإستدعاء. رفضت معاملتها كأي مجرم يساق الى قوس العدالة. وكان من المفترض (إن كان هناك من استدعاء) أن تمثل أمام محكمة المطبوعات وهذا ما لم يحصل في ضرب جديد للمبادىء المهنية والأخلاقية وتكريس واضح لإختلال المعايير.
وقد علمت «الأخبار» أن الجهات العسكرية تؤكّد «النية الجرمية» لدى القناة في نشرها لهذه الصور ضمن تقرير السبع «إرهابيون في المستشفى الحكومي» الذي عرضته «الجديد» الأربعاء الماضي، في حين لم توجه المؤسسة العسكرية أي طلب أو تمنٍ لعدم نشر هذه الصور.
قانونياً، يشرح محامي “مهارات” طوني مخايل لـ ”الأخبار” أنّ القضاء العسكري دخل من ثغرة المادة 157 التي تتيح له استدعاء الصحافيين الذين يتعاطون في قضايا الإرهابيين وتحركات الجيش وضرورة الرجوع الى المؤسسة العسكرية في حال نشر معلومات عنها. ثغرة عملت «مهارات» على الغائها في قانون الإعلام الجديد. عدا ذلك، يؤكد مخايل أن المحاكم العسكرية لا تراعي حقوق الدفاع ولا المراجعة أو التمييز، بالإضافة الى أحكامها السريعة. وعن مسؤولية الإعلام في نشر هذه الصور، علّق مخايل بأن القناة لم تخطىء في النشر وإذا كانت هناك مساءلة، فيجب أن تطال المسرب وليس الناشر. من جهته، نفى وزير الإعلام رمزي جريج لـ «الأخبار» علمه بمثول السبع، واستمهلنا وقتاً لإتخاذ موقف مما يحصل، لكنه أشار إلى أنّه «إذا كان ما حصل مع السبع خطأ، فأنا أتضامن معها».
القضية بالطبع لن تنتهي هنا. ستحال السبع الى النيابة التمييزية العامة كما تقول لنا، ولم تستبعد استدعاء كل من مديرة الأخبار في القناة مريم البسام ونائبة رئيس مجلس الإدارة كرمى الخياط للتحقيق معهما.




سابقة خطيرة

في خطوة لافتة، كشف وزير الإعلام رمزي جريج لـ «الأخبار» عن تشكيله فريقاً من المختصين يعنى بمتابعة ورصد المقالات والتقارير الصادرة عن القطاع الإعلامي بغية مراقبة «التجاوزات» التي قد تحصل والإسراع في اتخاذ الإجراءات اللازمة للمحاسبة. إلا أنّ جريج عاد واستدرك قائلاً «إنّه لا يتمنى الوصول الى هذه المرحلة الا عبر التفاهم». وفي معرض سؤالنا عن هذا الأمر بأنه منوط بمهام «المجلس الوطني للإعلام»، أجاببأن الرصد الذي يجريه المجلس «غير كاف وعام». طبعاً من شأن هذا الأمر إعادة طرح أسئلة حول تجاوز مهام المجلس، ولا شك في أن هذه الخطوة تعد سابقة في تاريخ لبنان عبر قيام الوزارة بدور الرقيب المباشر على وسائل الإعلام!.