تباينت نتائج تحويل الروايات الأدبية إلى مسلسلات تلفزيونية. بعضها مرّ مروراً عابراً، بينما سقطت أخرى في مأزق اللغة الجافة المنافية لأساسيات التلفزيون كما حصل مع رواية الجزائرية أحلام مستغانمي «ذاكرة الجسد» (سيناريو ريم حنا وإخراج نجدت أنزور). لكن ظل النجاح المدوّي لهذا المسلسل استثناء نادراً مثلما حصل مع رواية حنا مينه «نهاية رجل شجاع» (سيناريو حسن م. يوسف، وإخراج نجدت أنزور).


المسألة نفسها تكررت مع روايات تحوّلت إلى أفلام سينمائية، فسجّلت روايتا «المريض الإنكليزي» لمايكل أونداتجي و«الدكتور جيفاغو» للروسي بوريس باسترناك مثلاً نجاحاً على الشاشة الكبيرة، فيما سقطت روايات عظيمة مثل «الحب في زمن الكوليرا» لغابرييل غارسيا ماركيز و«العطر» للألماني باتريك زوسكيند.
على أية حال، تحاول بعض الخبرات الجادّة تقديم دراما عربية ذات مضامين وعمق فني ينأى بنفسه عن موضة قصص الحب والخيانة الزوجية الهزيلة السائدة هذه الأيام. هكذا، تُجرّب أحلام مستغانمي مجدداً تحويل كتابها «نسيان دوت كوم» إلى مسلسل تلفزيوني، إذ أعلن المخرج السوري سيف الدين السبيعي أنّه في صدد تحويل رواية التركية أليف شفق «قواعد العشق الأربعون» (الأخبار 13/8/2014) إلى عمل درامي أيضاً. لكن المشروعين لن يبصرا النور في الموسم المقبل، خصوصاً أنّه لم يتم تكليف كتّاب لإنجاز السيناريوهين، في مقابل توصّل المنتجة اللبنانية رولا تلج (شركة moon and stars) إلى اتفاقات شبه نهائية مع الروائية السورية الشابة لينا هويان الحسن على تحويل كتابيها «سلطانات الرمل» و«نازك خانم» إلى مسلسلين تلفزيونيين.
في حديثها مع «الأخبار»، تؤكد تلج أنّها أوكلت مهمة كتابة السيناريوهين بالاتفاق مع الروائية السورية إلى عدنان العودة وخلدون قتلان، على أن يحسم الاتفاق مع الأخير قريباً، ليبدأ تصوير «نازك خانم» مطلع العام المقبل في دمشق، بمشاركة جهة حكومية سورية في الإنتاج. علماً بأنّ هناك حرصاً على إنجاز نصوص الحلقات الثلاثين قبل دوران الكاميرا، لكي لا تكرّر الإشكاليات التي وقعت فيها المنتجة اللبنانية في الموسم الماضي لدى تسليم رافي وهبي حلقات أخيرة من مسلسل «حلاوة الروح» (إخراج شوقي الماجري) كانت أقل قيمة وأهمية من الأولى.

تحويل «سلطانات
الرمل» و«نازك خانم»
إلى مسلسلين


من جهة ثانية، توضح تلج أنّها ستبذل قصارى جهدها ليكون العملان جاهزين للعرض في رمضان المقبل. وتكمن أهمية «نازك خانم» في طرح نموذج نسوي متحرّر إلى درجة كبيرة من ستينيات القرن الماضي، تزامناً مع بدء ظهور الإسلام السياسي بشكل واضح. هنا، تجدر الإشارة إلى أنّ كاتبة الرواية ومنتجة المسلسل رشّحتا الممثلة السورية سلافة معمار لبطولة العمل.
في «سلطانات الرمل»، ستأخذ تلج على عاتقها مهمة التوثيق الحقيقي لحياة سلالة من البدو لم يحدث أن قدّمتها الدراما السورية بهذه الطريقة من قبل. أما عن خيار تحويل الرواية إلى عمل تلفزيوني، توضح المنتجة اللبنانية بالقول إنه «ربما ينخفض منسوب النرجسية مقارنة مع النصوص التي تُكتب من قبل شخص واحد، إضافة إلى إمكانية إضافة وعي مختلف من قبل كاتب السيناريو على أن يكون للعمل أكثر من أب». وتضيف: «كل هذه محاولات لطرح أفكار منسجمة مع المنطقة التي نعيش فيها، خلافاً لما يتم استيراده من الغرب بشكل عشوائي». رغم أنّ اسمي المخرجَيْن اللذين سيديران المشروعين الجديدن لم يُحسما بعد، غير أنّ سامي الجنادي مرشّح لإخراج «سلطانات الرمل».
على العموم، سبق لأكثر من مخرج سوري أن جرّب تبنّي «سلطانات الرمل» من دون أن استكمال المشروع. فما الجديد هذه المرة؟ توضح لينا هويان الحسن لـ«الأخبار» أنّ «أهم مقوّمات المشروع هذه المرة توفّر النية الحقيقية من قِبل المنتجة رولا تلج. ورغم أنّني لم أوقّع عقداً حتى الآن، إلا أنّني متحمسة كوني أحاور منتجة أنجزت أعمالاً بمستويات فنية عالية، كما أنّ مسلسلها الأخير «حلاوة الروح» كان مثالاً مشجعاً لما يمكن أن تكون عليه رواياتي عقب تحويلها إلى أعمال درامية. أعمال تحتوي كل الشروط اللازمة لإنتاج عمل فنّي متكامل». وتابعت قائلة إن «رواية «سلطانات الرمل» تحدٍ حقيقي للكاتب والمخرج والمنتج، ولطالما كنت متأنيّة بشأن تحويلها إلى الدراما».
لكن سبق لروايات عالمية أن تحوّلت إلى أعمال فنية وفقدت جزءاً كبيراً من ألقها رغم وجودها بأيدي احترافيين عالميين، فهل يتكرر الأمر مع الروايتين السوريتين أم أنّ الهدف مادي بحت؟ ترد صاحبة رواية «بنات نعش» بالقول: «في المقابل كانت هناك أعمال فنية ناجحة مثل «ذهب مع الريح» أو «حب وكبرياء»... كما أنّ نجاح تلك الأعمال زاد من رصيد الروايات نفسها، ولأنّ عالم القراءة عربياً محصور لدى الشرائح المثقفة كما أن العرب هم أقل شعوب الأرض قراءة وأكثرهم ولعاً بالدراما، فمن المهم أن يحظى النص الأدبي بترجمة فنية درامية لأنّ ذلك يخدم انتشار النص. صحيح أنّ الخطوة لا تخلو من المغامرة، لكن الخوف من الفشل ليس مبرراً لتجنّب خوض المشروع، من دون أن نُغفل السبب المادي لأنّه من المعروف أنّ دور النشر العربية مجحفة بحق الكاتب».




الحل في الرواية العربية

ترى لينا هويّان الحسن (الصورة) أنّ الدراما العربية وقعت في مأزق الاستنساخ الرديء والهابط للأعمال الأجنبية، وتجزم بأنّ الرواية العربية مؤهلة لانتشال النصوص الدرامية من نمطيتها وتشابهها، نظراً إلى غنى الأدب العربي بالأعمال الصالحة لأن تتحوّل إلى إنتاجات تلفزيونية مميّزة وناجحة. من جهة ثانية، ترى الروائية السورية أنّه ما من كاتب يتقاضى أجراً حقيقياً يوازي جهده، ولا يمكن لكاتب عربي مهما بلغت شهرته أن يحظى بدار نشر تمنحه دخلاً ثابتاً لقاء كتاباته. لهذا، من الطبيعي أن يبحث الكاتب عن مصادر مادية أخرى مثل نقل أعماله إلى الدراما أو سينما أو ترشيحها للجوائز.