يبدو «بيروت آرت فير» مثل احتفالية ضخمة تحتاج من الزائر إلى بعض الجهد كي يتجول في أروقته، ويصنع بعض الانطباعات الأولية عن الأعمال المعروضة. كثرة الغاليريات المحلية المشاركة فيه تسهّل ذلك، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى ضآلة المشاركات العربية والدولية. هذه الملاحظة التي لطالما كررناها في وصف «معرض بيروت للكتاب»، نراها لائقة أيضاً بالحدث الفني والتشكيلي الذي بدأت تنظمه المدينة منذ أربعة أعوام، محاولةً اللحاق بتجارب عربية سبقتها في هذا السياق، وخصوصاً «آرت دبي» و«فن أبو ظبي». سنعود طبعاً إلى القول إن بيروت تعيش على سمعتها كعاصمة مفتوحة ومنفتحة على هواءات المعاصرة والأفكار الطليعية، لكن اللوحة والتجهيز والفيديو آرت ليست كتاباً كي نتباهى بأننا في النهاية «عاصمة النشر العربي».


سوق الفن نفسها مختلفة عن سوق الكتاب، وحتى جمهور الفن مختلف عن جمهور القراء، وهو ما نستطيع ملاحظته بسهولة على الشرائح التي حضرت افتتاح المعرض الضخم أول من أمس الخميس.
أفكارٌ مثل هذه تخطر لنا بإلحاح، إلا أنها تظل في خلفية المعرض الذي يتماسك ويترسخ في نسخته الجديدة، ويحتاج إلى قفزات سريعة ومبادرات كبيرة في الأعوام المقبلة كي يحتل مكانة لائقة به وبالعاصمة التي يُقام فيها. وفي انتظار ذلك، لا يمكننا إلا أن نرى الحدث بوصفه معارض عديدة ومصغّرة داخل معرض كبير، حيث الأمر لا يعدو كونه تجميعاً لبعض الأعمال التي سبق للغاليريات المشاركة (وخصوصاً اللبنانية) أن عرضتها في برمجتها السنوية العادية، وإعادة عرضها هنا. لا يقلل ذلك من أهمية وجودة الكثير من التجارب المشاركة، حيث تصبح الخيارات المحددة للعرض نوعاً من إعلان كل غاليري لهويتها واستراتيجيتها ونظرتها إلى المنتج التشكيلي المحلي والعربي والعالمي، وعلاقتها بالفنون المعاصرة والأسئلة التي تطرحها الأسماء الشابة، والحوارات المعلنة والمواربة لهذه الأسماء مع الأجيال السابقة، وأطروحاتها المنقطعة أحياناً عن منجزات هؤلاء وأفكارهم عن اللوحة وعن العمل الفني ككل. كل ذلك متاح للمقتنين الكبار والصغار، ولجمهور يتألف في معظمه من فنانين ورسامين ونقاد وأصحاب غاليريات.

تعريض المشاريع لأسئلة معاصرة وما بعد معاصرة



يمكنك أن تشاهد لوحة ليوسف عبدلكي في جناح غاليري «تانيت»، ثم تصطدم به وهو يتأمل لوحة في جناح آخر، وأن يتكرر ذلك في مشاهدتك لأعمال سعد يكن في «غاليري مارك هاشم»، وكميل حوا في «المحترف»، وريم الجندي وجوزيف حرب وهانيبال سروجي في «غاليري جانين ربيز»، وهادي سي (اللبناني/ السنغالي) الذي اكتفت «غاليري أجيال» بعرض مشروعه «الحب يقتل».
تتداخل هذه الأعمال مع أسماء مكرسة مثل محمد الرواس وسبهان آدم وأحمد معلا والفرد بصبوص ومصطفى علي وحمود شنتوت، إلى جانب أسماء أخرى مثل فاطمة مرتضى وياسر صافي وروز الحسيني وبسام جعيتاني وزاد ملتقى، وتفاجئنا لوحات لأدونيس في أحد الأجنحة، بينما سيكون علينا أن نرى اللوحات إلى جوار تجهيزات ومنحوتات وأعمال فيديو في أجنحة أخرى. الطاغي على هذه الأعمال هو تعريض الأفكار والمشاريع لأسئلة معاصرة وما بعد معاصرة متاحة أكثر في الغرب، وربما مجلوبة من تجاربه المحمولة على مزاج العولمة التي ضربت المعايير التقليدية للفن، وباتت في مرحلة متقدمة من تدمير وإفساد الهويات المحلية القائمة على تراكم تاريخي واجتماعي وسياسي مختلف. صورة تبدو تأويلاتها أكثر وضوحاً في الأجنحة الأجنبية القليلة على أي حال، حيث تحظى اللوحات والأعمال المعروضة فيها بفكرة أنها خالية أومعفاة أصلاًً من هموم الهويات، ولا تطلب من المشاهد المحلي سوى أن يركز على اللحظة التي يشاهد فيها العمل. لحظة متسارعة في انطباعيتها المعرّضة غالباً لمجهولية أصحاب هذه الأعمال.
انطباعات سريعة ومشوشة تحدث في فوتوغرافيات بوشبامالا من الهند، وتجهيز «غياب/ حضور» لفيبا غالهورتا، وفي فحميات بنجامين كاربون من فرنسا، وفي واقعيات الأرمنية كارين ماتساكيان، وفي لوحة «شابلن وميكي» لبرينووش في «Bel Air Fine» من سويسرا. أعمالٌ تبدو مثل عيّنات مرسلة إلينا كي نتخيل الصورة الأوسع لما يحدث في الحياة الفنية لبلدان أصحابها، ولكنها تتجاور مع الأعمال اللبنانية وتتشابه معها.



* «بيروت آرت فير»: حتى مساء غد الأحد ـــ بيروت (بيال). للاستعلام: 03/386979