أصوات رنين الهواتف تصدح إلى الخارج وتدعوك للدخول إلى عالم داخل المعرض، لا بل إلى داخل حكايا أفراد ومجتمعات مهمّشة.

Unheard Unsaid Untitled كان عنوان المعرض الذي اختتم قبل أيام في «فيلا باراديزو» في منطقة الجميزة. إنّه تجربة فريدة أعدّها طلاب الماجستير في النقد والتنسيق الفنيين في «جامعة القديس يوسف»: فاديا عنتر، كليمانس كوتار، مارك معركش وشاديا سماحة، تحت إشراف ليا صيدناوي.
عند دخولك المعرض، يستقبلك شربل صاموئيل عون بتجهيز «صوت غير المرئيين». هواتف مثبتّة على الجدار ترّن بتواتر متفاوت وتدعوك إلى رفع سمّاعاتها للاستماع إلى قصص مسجّلة يرويها أشخاص لا يمكننا تلمس ملامح وجوههم ولا هوياتهم. نحن هنا في اتصال مع عالمهم الخاص والحميمي. يقدّم شربل تجهيزاً آخر بعنوان «حنفيات الهمس». عمل بليغ جداً في قدرته على تجسيد ذلك العالم المظلم للعاملات الأجنبيات في المنازل اللبنانية.

ثقل مخيف يسيطر على فضاء تلك الغرفة. إنه عالم مليء بالمآسي لا يخترق صمته الثقيل سوى همسات ووشوشات هؤلاء النساء الأجنبيات الصادرة من الحنفيات، طالبات أن تدنو لتستمع إلى شكواهن. في المقابل، يأخذنا جورج عوده عبر صوره الفوتوغرافيّة إلى داخل حميميّة عمال البناء السوريين. يقصد عوده هؤلاء العمال في منازلهم، بعد غياب الشمس وانتهاء دوام عملهم. يقصدهم في زواياهم المهمشة ضمن المجتمع اللبناني، ويلتقط لهم صوراً في غربتهم، حيث يفترشون الأرض ليناموا في غرف صغيرة في انتظار طلوع الشمس ويوم عمل جديد. تتميز صور عوده بأنها تجسّد فضاءً مهمشاً يقطنه أفراد مهمشون، من دون أن تخلو من حالة إيروسية مثلية في كيفيّة التقاط عدسته لأجساد هؤلاء الرجال.
أما صور نديم أصفر الفوتوغرافيّة «سريري» فتوثّق الأشكال التي يرسمها سرير الفنان في كلّ صباح متحولةً إلى أثر لليل طويل. لكنها أيضاً تعيدنا إلى أحد أشهر أعمال الفنان فيليكس غونزاليس توريس التي تقدمّ سريراً فارغاً مع أثر لشخصين كانا مستلقيين هنا. قدّم توريس ذلك العمل عام ١٩٩١ إثر وفاة عشيقه «روسّ» بفيروس الايدز الذي قضى عليه أيضاً عام ١٩٩٦.
في الطابق الثاني للفيلا، وضمن سينوغرافيا لغرفة جلوس، تتوزّع صور رندا ميرزا «عن الجنس والجندرة». التقطت ميرزا صوراً لأجساد عارية لرجل ونساء وأعادت توليفها ضمن أجساد لا جنس محدداً لها، بل مزيج من الجنس والجندريّة.

صور رندا ميزرا
تسائل معنى الجنس والجندرة
علقّت بعض الصور على الجدران، فيما توزعّت أخرى ضمن إطارات على طاولات، وأقفلت باب الغرفة تاركة إيانا خلف النوافذ الزجاجية نسترق النظر إلى أجساد هجينة تدعونا إلى إعادة مساءلة معنى الجنس والجندرة.
هكذا أيضاً فعلت لارا تابت موزعة صورها في غرفة البيت الوسطية بين صور كبيرة رفعت على الحائط ضمن إطارات مزركشة ومذهبّة، وأخرى جرى تصفيفها على خزانة الأواني وأخرى على طاولة السفرة وسط الغرفة. تنقل لنا صور تابت «بينيلوبيات» لحظات مسروقة من حيوات نساء يقضين ما تبقى من العمر في منازلهن، مملكتهن، حيث لم يبق لهن سوى الانتظار.
أما ديما حجّار، فاختارت أن توزع تجهيزها بين مدخل الفيلا، وغرفة في الطابق الثاني حيث تعيد تحويل لوحة Le Déjeuner sur l‘Herbe إلى فضاء مغلق داخل غرفة زجاجية، محاطة بمرايا توحي بأنك مراقب في كل مكان، مقترحة ذلك الفضاء الجديد على أنه «الجنة الخطأ». تقدمّ حجّار في أحد نصوصها وصفاً جميلاً جداً لتلك الجنّة انطلاقاً من اللوحة: «الجنة مكان مراقب. الجنّة مكان غير ملموس. آدم الأول وآدم الثاني غارقان في نقاش داخل الواجهة الزجاجيّة فيما تنظر إيفا إلى الخراب الذي خلفّه الترميم الأخير للسماء. في حياتها السابقة كانت إيفا تدرّس القرآن. في الجنة، تحوّلت إلى تمثال من الرخام». لكن للأسف بقي ذلك النصّ بكلماته أبلغ من ترجمته حرفيّاً في التجهيز الفني المعروض. في الغرفة الأخيرة، تقدم رنا عيد تجهيزاً صوتياً بعنوان «عبالي». عبره، تقودنا في رحلة يختلط فيها الخاص والعام عبر أحداث شخصية وتاريخية انطلاقاً من عام ٢٠٠٣.
هنا لا بد من التوقف عند تلك التجربة في تنسيق المعرض. تجربة تنسيق فريدة من نوعها، فمن النادر أن نتابع معارض لبنانيّة أشرف عليها منسقون عديدون. نحن أمام مجموعة تتألف من أربعة منسقين نجحوا في توحيد توجه المعرض لا شرذمته. نجحوا أولاً في اختيار موضوع مهمّ وغنيّ يتمحور حول الأفراد والمجتمعات المهمّشة ضمن مقاربات زوايا مختلفة وغنيّة فنياً. ثانياً، جاء اختيار تقديم المعرض داخل «فيلا باراديزو» خياراً صائباً جداً. تلك الأعمال كانت ستتخذ بعداً مختلفاً جداً لو خسرت ذلك البعد الحميميّ الذي يؤمنه منزل بطابقيه، وغرفه، خصوصاً أن تلك الحميميّة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأعمال المقدمّة وموضوع المعرض. أخيراً، استطاع المنسقون أن يقدّموا لكل فنان مساحته الخاصة والمناسبة لعمله ويمنحوا زائر المعرض فرصة تفقد كل عمل من دون أن يطغى أي عمل على آخر. وأخيراً، فتقديم معرض في فيلا مميزة بهندستها وتآكل جدرانها، كان يمكنه بسهولة أن يطغى على الأعمال المقدمّة، لكن المنسقين نجحوا في تطويع وظائف وسياقات الموقع لخدمة الأعمال، فظهّرت الفيلا أعمال الفنانين، بدلاً من أن تسرق الضوء منها.