علي شحرور *

إنه سريرها، وكر أحلامها وكوابيسها، حيث يسجّى الجسد ليحلم، يبتعد من الواقع، يموت، ويلقي محبوه النظرة الأخيرة عليه، هامداً عاجزاً عن الحركة.
هذا الفضاء اختارته المخرجة والممثلة سوسن بوخالد (1975 ـ الصورة) وشريكها في الحياة والعمل السينوغراف حسين بيضون، ليكون المادة الوحيدة في «أليس» الذي يعاد تقديمه اليوم في «دوار الشمس» (الأخبار 5/10/2013).

إنها رحلة سينوغرافيا تجيد ممثلة تحريكها، تخلق صورها، تلعب على شاعريتها، تنفخ فيها روحاً وأشكالاً وشخصيات، تحولها وتتحول معها، ليشكلا معاً عملاً فنياً تتميز فيه جمالية السينوغرافيا وابتكاراتها العضوية مع فكرة العرض وكتابته.
اختارت سوسن الاختزال في النص، فكان عبارة عن جمل قصيرة مكثفة، تحمل أسئلة وجودية وحياتية، تتعاطى معها ببرودة لتبحث في زمن الأشياء وتحولاتها. هذا زمن البرد الذي تتلاشى فيه الأفكار وتعود لتتكثف في وقت غير مناسب أي وقت الراحة والنوم الذي لم يعد هناك متسع له. كذلك، لصوتها في الميكروفون بعد زمني ومكاني مختلف يأتي من سكون وفراغ. هذا الفراغ تتكثف فيه أفكار وذكريات ضمن إيقاع متباطئ، ما يخلق جواً شاعرياً يسمح للمشاهد أن يتشبع من الصور والحالة التي خلقها بيضون. حالة تحمل خطاً دراماتورجياً شعرياً شكل لوحات جمالية متتالية لليلة هذه المرأة.
لوحات تفصل بينها أحياناً لقطة فكاهية بريشتية تعيدنا إلى موقعنا كمشاهدين لعرض مسرحي وتنتشلنا من الصور الحالمة التي قد يتماهى معها الجمهور في أغلب اللوحات.
على مدار ساعة، تغرق الممثلة في وحدة الليل وبرودته. ليل في مدينة يتأرجح سكانها بين الحياة والموت وتضيع فيها المفاهيم. تصبح ذكريات الطفولة مفعمة بالكوابيس، حيث الفرد يحلم بالعودة إلى رحم الأم والاختباء في أحشائها، فقد تدفئ وحشة الليل وتحمي من الوحش الذي يصنع جلده من رؤوس ألعاب الأطفال
وملهاتهم.
في العرض، تتحول الملحفة وحشاً عملاقاً يبتلع أحلاماً في الليل. إنه الأيقونة المقدسة التي تتخفى تحت طبقات متراكمة من الذكريات والصور والأفكار والنماذج الموروثة الراسخة في عقولنا منذ الطفولة. أما الوسادة فتستحيل غيمة تمتطيها الممثلة ويتحول السرير من بنيته المعتادة ليُركَّب عامودياً باتجاه السماء كشجرة يعتليها عصفور يحمل هرة على كتفه. وسرعان ما يتحول هذا الكائن الحر الى غربان سوداء تملأ الفضاء.
«أليس» هنا لا تحتاج حبة فطر سحرية لتصل الى عالم العجائب. أرضنا أعجوبة و»أليس» جثة هرة مرّ عليها الزمن، فتعفنت وتقدقدت تحت السرير بعدما تاهت في مهزلة بلاد العجائب
والخرائب.

* كوريغراف وراقص لبناني
«أليس»: 20:30 مساء اليوم وغداً ـ «دوار الشمس» (الطيونة ـ بيروت) ـ للاستعلام: 01/381290