لايختلف إثنان على أنّ الإسم وحده يكفي ليعرّف عن «المنتج». كلمة «بلاي بوي» وحدها، وبأي لغة نُطقت تعني شيئاً واحداً فقط: الجنس والجميلات العاريات. هكذا أرادها هيو هيفنر قبل ستين عاماً، الرجل الثمانيني (88 عاماً تحديداً) الذي بدأ المشروع بقرضٍ من والدته، مؤكداً أنّه سيرد لها الدين أضعافاً مضاعفة حال نجاحه.


هو لم يكن متأكداً من الوفاء بوعده، لكنه كان يعرف من أين تؤكل الكتف، فصنعة «الإغراء» و«العري» ليست مجرد عرضٍ وطلب، بل هي أيضاً «فلسفة» كما يحب دائماً أن يقول لأصدقائه والصحافيين.
كثيرون لا يعرفون عن مجلة «بلاي بوي» سوى فتياتها العاريات، مع أنّ المجلة استقطبت ــ ولا تزال ــ أسماء لامعة في عالم الكتابة والثقافة والأدب من الروسي فلاديمير نابكوف صاحب رواية «لوليتا» الشهيرة، إلى البريطاني إيان فيلمنغ صاحب شخصية جايمس بوند، مروراً بالياباني هارواكو موراكومي صاحب «كافكا على الشاطئ»، والكندية مارغريت أتوود الفائزة بجائزة «بوكر» خمس مرات، وصولاً إلى السير بي. جي. وودهاوس وغيرهم. المشروع بالنسبة إلى هيفنر ليس مجرد فتيات عاريات يتمطين في الشمس، إنه ببساطة: «أن تعرف كيف تبيع «الجمال». إنّها حرفة «الجمال» متضمنة أفكاراً أخرى»، بحسب كلامه. لذلك لم تكتفِ «بلاي بوي» بالمجلة الأصلية نفسها (كانت تُطبع وتوزع في الولايات المتحدة أصلاً)، بل افتتح فروعاً لمجلته في غالبية العواصم المعروفة تقريباً وهي تصدر اليوم في أكثر من 30 دولة، فضلاً عن إنتقاله من مجرّد الطباعة إلى انتاج الأفلام، والمسلسلات، والعطور، والملابس وكل ما من شأنه أن يحرز مزيداً من المال، محوّلاً حلمه إلى حقيقة من خلال شركة «بلاي بوي» التي تتاجر (بكل ما للكلمة من معنى) في كل شيء مرتبط بـ«الجمال». حلم تلميذ علم النفس وخريج «جامعة إيلينوي» والصحافي في مجلة «إيزكوير» كان إنتاج مجلة، لكن الإسم لم يكن بالتأكيد «بلاي بوي»، بل «ستاغ بارتي» (Stag Party)، إلا أنّه كان مأخوذاً. وبعد نقاش وأخذ ورد، توصّل إلى إسم «بلاي بوي» عن طريق الصدفة لتبدأ رحلة المجلة الاستهلاكية. بعد ذلك، كان البحث عن «شعار» للمجلة، ولأنّه كان يطمح بعيداً، فقد أصرّ على أن يكون للمجلة شعار لا مجرد إسم فقط. جاء أحد أشهر الشعارات لماركة مسجلة: الأرنب ذو الياقة. شعار اختاره هيفنر لأنّه «مثير وغامض ولعوب، إضافة إلى كونه مضحكاً». غلافه الأوّل في 1953 كان لمارلين مونرو، أشهر نجمة في ذلك الوقت، ولم تكن الصورة خاصةً بالمجلة، بل أُخذت من روزنامة سنوية كانت تتصدرها صورة شبه عارية لمونرو «تتمطى» كما لو أنّها نائمة.
نجاح المجلة كان سريعاً ومدوياً، حتى إن دراسة إحصائية أشارت إلى أنّ ربع الأميركيين الشبان (الذكور) كان يشتري المجلة شهرياً وبانتظام في وقت ما. ذكاء هيفنر في انتقاء الأغلفة كان تلقائياً فضلاً عن كونه كن يبحث دائماً عن «الجميلات» المختفيات في القرى البعيدة والأحياء الفقيرة. تلك الفرصة «المدهشة» لدخول عالم الأضواء، جعلت الباحثات عن الشهرة يعتبرن المجلة بوابتهن. وفعلاً تحوّلت كثيرات إلى نجمات (مثل عارضة الأزياء الشهيرة سيندي كروفورد، الممثلات باميلا أندرسون، شارون ستون، آنا نيكول سميث)، كما اختفت كثيرات. أما اليوم، فيعتبر مجرد «الترشّح» لغلاف مجلة «بلاي بوي» نوعاً من الاعتراف «العلني» بجمال الشخصية المطلوبة وتأثيرها. لذلك، تلجأ كثيرات من النجمات إلى «التمظهر» للغلاف ولو أنّهن رفضن في السابق ذلك العرض.
في السياق نفسه، ظل اهتمام هيفنر بالجانب «الثقافي» مثيراً للدهشة. كان يصرّ على استضافة شخصيات سياسية واجتماعية وثقافية في مجلّته ضمن زوايا خاصة، ويفرد لها صفحات. هكذا، قدّم الناشط والزعيم الأميركي الشهير مالكوم أكس، ومغني الـ «بيتلز» جون لينون وزوجته يوكو أونو اللذين كانا يتزعمان وقتها حركة سلام إبان حرب فيتنام، إضافة إلى بطل الملاكمة مايك تايسون، والرئيس الأميركي (كان وقتها مرشحاً للانتخابات) السابق جيمي كارتر الذي أسرّ له شخصياً بأنّه «يحب النساء كثيراً، ولكن في أحلامه فقط». كلام أثار «ضجةً» كبيرة حول السياسي الذي استغلها للنجاح في السباق الرئاسي.

استضافت شخصيات سياسية وثقافية ورياضية بينها رجال

لكن الأمر الأكثر تأثيراً في نجاح المجلة لم يكن «العري» فحسب، بل أيضاً ذكاء هيفنر في تقديمه ضمن الإطار المناسب. في عام 1969، كانت نجمة إحدى أغلفة «بلاي بوي» العارضة لوما هوبر مرتدية «ربطة عنق» رجالية محاكاة لفكرة «الصراع الجندري» الذي لم يكن شائعاً إعلامياً كما هو الآن. واعتُبر الغلاف واحداً من العلامات على التغييرات الاجتماعية الثقافية المرتبطة بهذه المسألة.
وفي1971، احتلت العارضة الأميركية من أصل أفريقي جيان بيل للمرّة الأولى غلاف المجلة، في وقت كانت العنصرية من علامات المرحلة. وعام 1977، كانت بربارا سترايسند من النساء القلائل اللواتي أجبرن هيفنر على إعطائها الغلاف من دون «تعريتها»، فارتدت «ثياباً محتشمة» بحسب هيفنر: تي شيرت يحمل شعار المجلة وشورت أبيض قصير. أما في سنة 1980، فاقترب هيفنر من السياسة، وقدّم «سياسيات» أميركيات (نصف عاريات) في مجلّته، معتبراً أنّ «الإثارة» لا يحددها مكان العمل، وهو ما فعله مع نساء البورصة (وول ستريت) في 1989، ومع شرطيات نيويورك في 1994. كل ذلك الاهتمام بالثقافة، لم يمنع الرجل الثمانيني من «الانتقام» أحياناً ممن رفضن عرضه للظهور عاريات، فقدّم في 1985 صوراً لـ«ملكة البوب» مادونا، كانت قد صوّرتها في بداياتها الفنية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الجنوب أفريقية تشارليز ثيرون في 1999. هنا، تجدر الإشارة إلى أنّ المجلة تعرّضت لاعتراضات كثيرة من قبل الحركات النسائية بدعوى استغلالها للنساء كـ«أدوات للجنس وترويجها سياسة المنافسة غير الصحية بينهن»، فضلاً عن أنّ عدداً من جميلاتها (bunnies) يعانين من مشاكل نفسية إثر الاستغناء عن خدماتهن. في الإطار نفسه، كان هيفنر مقداماً وسباقاً في أوقات كثيرة في التعامل مع قرائه. قدّم مثلاً غلافاً عام 1993، لبطل مسلسل Seinfeld، جيري ساينفيلد، مع عارضات، فيما الكل كان مرتدياً ملابسه. حتى أنّه أفرد مساحة للشخصيات الكرتونية، فظهرت شخصية «مارج سيمبسون» من مسلسل «عائلة سيمبسون» عاريةً على أحد الأغلفة (1999)، مراهناً على شهرة ونجاح المسلسل في تحقيق المبيعات المطلوبة.