حسناً فعلت شركة MAD Solutions التي يديرها علاء كركوتي، بإعادة طرح فيلم «ذيب» (2014 ــــ 97 د.) لناجي أبو نوّار في الصالات العربيّة مجدداً. ترشيح الشريط للبافتا ثم لأوسكار أفضل فيلم أجنبي فرصة مواتية لإحيائه جماهيرياً. ليس جديداً أنّ المتفرّج العربي لا يثق سوى بالتزكيات الدولية، ليندفع نحو السينما التي تشبهه. يا لها من فرصة يستحقها «ذيب» الذي يسابق على التمثال الحلم مع أربعة عناوين: الكولومبي «احتضان الثعبان» لسيرو غيرا، والفرنسي «موستانغ» للمخرجة دنيز غامزي إرغوفن، والمجري «ابن شاؤول» للازلو نيميس، والدنماركي «حرب» لتوبياس لندهولم. يوم 28 من الشهر الحالي، قد نشهد تتويج أول فيلم عربي بأشهر جائزة على الكوكب.

أداء عفوي وحوار متقشّف وصورة تتكلّم

لا مبالغة في القول إنّ «ذيب» أبرز فيلم عربي في السنوات الأخيرة. جائزة أفضل مخرج في قسم «أوريزونتي» (آفاق جديدة) في الموسترا الإيطالي، كانت خير بداية لرحلة الألف ميل نحو الأوسكار. جوائز متلاحقة في أبو ظبي وبكين ومالمو والقاهرة وميامي. السينمائي الأردني الذي نشأ في لندن، قبل أن يلتحق بأوّل نسخة من ورشة «راوي» للسيناريو في عمّان، كرّس ثلاث سنوات من حياته لتحقيق الفيلم. بعد مشاريع عدة لم تغادر الورق، نجح في الحصول على التمويل من خلال الحل السحري: الإنتاج المشترك بين سبع جهات من مختلف أصقاع الأرض. أبو نوّار تابع عمله الدؤوب على الأرض. أقام في صحراء «رم»، منتقياً بعض ممثّليه من أهلها البدو. الطفل الفلتة جاسر عيد لعب «ذيب» بتمكّن مذهل. من دون اصطناع أو فبركة، نصب ناجي كاميراه في المكان المهيب، ملتقطاً ما يقترحه ضمن شرط الزمان والبيئة ومرجعية التاريخ.
نحن في الصحراء الأردنيّة عام 1916. الثورة العربيّة الكبرى على الاحتلال العثماني مشتعلة، تزامناً مع استعار الحرب العالميّة الأولى. المنطقة، مثل «ذيب»، ما زالت بكراً في بداية قرن الخرائط الجديدة والاختراعات الكبرى. أهلها لديهم فرصة في الاستقلال والتحقق أخيراً. لا بدّ من «لكن» كبيرة مع العرب دائماً. الثورة تأتي مع يد بريطانيّة كبيرة. الخط الحديدي الحجازي قد يأخذ الغزاة ليأتي بغيرهم. الثوّار متربّصون. قطّاع الطرق جاثمون على الجميع. أهل المنطقة المسالمون يدفعون الفاتورة الكبيرة. وسط كلّ ذلك ينشأ «ذيب» كبطل محليّ مؤمن بما تراه القبيلة صواباً. أخوه «حسين» (حسين سلامة) دليل جغرافي لمن يرغب، في مهنة متوارثة عبر أجيال الفراسة واقتفاء الأثر والاهتداء بنجم سهيل. الضابط البريطاني «إدوارد» (جاك فوكس) يريد إيصال صندوق غامض إلى نقطة معينة في عمق الصحراء. «ذيب» يحترق لمعرفة محتوى الصندوق، إضافةً إلى تعلّقه بأخيه. هكذا، يتبع «حسين» الذي يرافق الضابط إلى وجهته. «الفضول قتل القط». الفضول سيصنع من «ذيب» بشرياً مختلفاً.
يغير قطّاع الطرق، لتنقلب الأمور رأساً على عقب. فجأةً، يجد «ذيب» نفسه في مأزق وجودي ونفسي أكبر منه. بتلقائية، يمرّ بتلك التحوّلات التي تفرضها قرارات كبيرة، قد لا تكون صائبةً، لكنّها مبرّرة، آتية من صلب البيئة والفرضيّة وتكوين الشخصية. نصل إلى «نهاية البداية» لما نعيشه اليوم، أو «بداية النهاية» لحقبة أخرى. لا فرق، طالما أنّ ذلك يتمّ دون تلقين أو أيّ نوع من الاصطناع.
اللامع في «ذيب» هو ذلك الذكاء النقدي لناجي أبو نوّار. من قلب البيئة البدويّة، يصنع «ويسترن سباغيتي» محليّاً أصيلاً. ببراعة تارانتينو، يتلاعب بـ «الجنر» السينمائي، متأثّراً بسينما جون فورد وسام بكنباه، ومقتفياً بعض آثار دافيد لين في «لورنس العرب» (1962)، ليخرج بـ «ويسترن بدوي». هذه ليست صورة البدو الكاريكاتوريّة التي أجرمت بها معظم الأفلام والمسلسلات العربيّة. هنا، نتورّط مع أبطال من صلب الزمان والمكان، يحققون قانونهم بأيديهم، وسط تبادل إطلاق النّار بين فرق متعدّدة. نؤخذ بكلّ عالم «ذيب»: أداء عفوي. حوار متقشّف. صورة تتكلّم. الرمال والسماء والجمال شخصيات لا تقلّ براعةً عن الممثّلين المحترفين. نعم، هذه كوادر من ذهب الصحراء تكتب تاريخ السينما العربيّة الآن.

«ذيب»: حتى 17 شباط (فبراير) ــــ «متروبوليس أمبير صوفيل» ــــ للاستعلام: 01/204080