تهرب سارة من بيتها في حي «الدرب الأحمر» في القاهرة، بعدما ضاقت بها سلطة الأهل وتقاليد الحي. هل هي مصادفة أن تتمنى فتيات «الدرب الأحمر» لو ولدن فتياناً؟ بالطبع لا، فتلك الأحياء الشعبية التي تتواطأ فيها سلطات الأهل والأعراف والفقر، تجرّد الأطفال من أنفسهم وطفولتهم وطموحاتهم. علينا أولاً أن نستمع إلى قصص فتيات وفتيان «الدرب الأحمر» التي تحوّلت إلى مسرحية «تاهت ولقيناها»، وسيشاهدها الجمهور ابتداءً من الغد في «مسرح دوار الشمس» و«حديقة الصنائع» في بيروت.


المسرحية التي أخرجتها اللبنانية حنان الحاج علي وعرضت في مصر أخيراً، خرجت بعد ورش عمل مطوّلة مع طلاب «مدرسة الدرب الأحمر للفنون» التي أطلقتها «المورد الثقافي» رسمياً عام 2011. لم يكن اختيار الحي الأثري الغارق بالفقر عبثياً، فيما احتمالات استقطاب الأطفال لم تبدُ سهلة للمنظمين منذ البداية. من هنا لا يمكننا النظر إلى العمل دون التوقّف عند الرحلة التي قادت إلى ولادته. كان على «مؤسسة المورد الثقافي» أن تمد جسوراً مع شباب وشابات الحي، وأن تخلق لديهم حماسة للمسرح والفن. لذا فتحت أبواب «مسرح الجنينة» الذي تديره في حديقة الأزهر الملاصقة للحي، مجاناً أمام أهله فقط. ظهر التحوّل في العلاقة سريعاً، ففيما كانوا يواجهون العروض بعدائية، أصبح المسرح سريعاً مكانهم. رافق هذه الخطوات، الدخول إلى مقاهي الحي، وأماكن تجمعات الناس، للتقرّب من ممارساتهم اليومية. «واقع الحي غني جداً» تقول حنان الحاج علي. السهرات، وأحاديث المقاهي والرقص والموالد وحركة الحي الصاخبة وجانبه البصري الغني، كلها عناصر «ضاعفت التحدي أمامنا، إذ كان علينا أن نخلق عملاً يتفوّق على الواقع». هكذا، خضع الطلاب لورش عمل فنية على مدى أشهر عام 2013 استعداداً للعرض.

تتداخل قصص
الأطفال مع قصص الثورة لتنصهر في مدينتهم القاهرة


وفيما كان طلاب المدرسة يتلقون تعليمهم في فنون السيرك والآلات الإيقاعية والنحاسية خلال السنوات الثلاث الماضية، التحقوا في الأشهر الأخيرة بصفوف التمثيل والغناء والرقص والحصص التربوية الثقافية على أيدي أساتذة متخصصين. أما سندس شبايك التي خاضت مع طلاب «مدرسة الدرب الأحمر للفنون» أحاديث ونقاشات، فخرجت حاملة قصصهم الكثيرة والمتشابهة، قبل أن تكتبها حنان الحاج علي وبسمة الحسيني لمسرحية «تاهت ولقيناها». إنّها قصص بسيطة عن العلاقات، والبيئة المحكومة بالعنف، ويوميات الحي والدراسة والهواجس والخوف والأحلام والهموم والمشاكل التي ستخرج ضمن قالب فكاهي وحركي. عرض يؤديه 22 ممثلاً وممثلة تراوح أعمارهم بين 8 سنوات و18 سنة، اعتلوا الخشبة للمرة الأولى هذه السنة. على مدى ساعة وربع ساعة، سنشاهد عرضاً متعدد الوسائط: موسيقى، وسيرك، ورقص، وتمثيل، وراب وغرافيتي وفيديو كما سنستمع إلى أغنيات كتبها بعض طلاب المدرسة.
في رحلتها، تحقق سارة حلمها بأن تصبح ولداً. تلبس ثياباً صبيانية وتقصّ شعرها. تمشي وتتنقل بين الشوارع، والمقاهي وتصل إلى شارع محمد محمود المتفرّع من «ميدان التحرير» الذي احتضن الحراك الشعبي. وفي رحلة بحث محمد وعادل وندى عن سارة، يكتشف الأطفال مدينتهم، ونكتشفها معهم، هناك حيث تستمرّ الاشتباكات في شارع محمد محمود، وتضجّ المقاهي بإيقاعات الطبلة. تتداخل قصص الأطفال مع قصص الثورة لتنصهر في مدينتهم القاهرة. قد يلتقي مصير سارة التائهة مع مصير الثورة المصرية، وتتحوّل ملاحقتها لحلمها إلى ملاحقة المصريين لأحلامهم. العرض الذي يأخذ بعداً بصرياً ملوناً، صمّم ملصقه فنان الغرافيتي الشهير «جنزير»، كما تظهر في خلفيته بعض رسوم فنان الغرافيتي المصري عمار أبو بكر الموجودة أيضاً في شارع محمد محمود الذي يمرّ به الأطفال. هكذا، تراوح «تاهت ولقيناها» بين الحقيقة والخيال، وبين البعد التراجيدي للقصص والطريقة الفكاهية والمضحكة التي تخرج بها. فككت المسرحية مشاكل أهل الحي الناتجة عن الفراغ والفقر، وحوّلتها إلى أمل لآلاف أطفال الأحياء الفقيرة. المسرحية تلقت دعوات لتقديمها العام المقبل في النرويج والدنمارك والسويد، مطلقة فنانين جدداً قد يلتحقون بالوجوه العظيمة كتحية كاريوكا، ومحمود المليجي، والشيخ محمد رفعت، التي خرجت قبل عقود من «حي الدرب الأحمر» نفسه.

* «تاهت ولقيناها» لأطفال «مدرسة الدرب الأحمر للفنون»: 26 و27 أيلول (سبتمبر) في «مسرح دوار الشمس» (الطيونة _ بيروت)، و29 و30 في «حديقة الصنائع» في بيروت. للاستعلام: 01/381290




لا خلاص إلا بالفن

خبرة حنان الحاج علي مع «مسرح الحكواتي»، ساعدتها على التوغّل في أعماق المجتمع المصري. أثناء التدريبات في المدرسة، فوجئت الممثلة والمخرجة اللبنانية ببعض المنقبات اللواتي كن يجلسن في الخلف ويتابعن العروض باهتمام. تعتقد الحاج علي أن الفضل يعود إلى الثقة التي استطاعت المدرسة أن تمنحها للناس بفضل جدية جهودها، وخصوصاً في حي شعبي. تلك الثقة انتقلت أيضاً إلى أبناء أحياء شعبية أخرى من الذين شاهدوا المسرحية، ففيما كانوا يواجهونها باللامبالاة والخفة، أصبحوا يطالبون بمدارس فنية في أحيائهم أيضاً. حتى عدد طلاب «الدرب الأحمر» وصل إلى أكثر من 200 مشترك بينما لا يتوقف وصول طلبات الانتساب. تصرّ حنان الحاج علي على حقيقة واحدة أن «لا خلاص إلا بالفن».