يصعب التكهنُ بشأن أي سرٍّ من أسرار الإعلام السوري الرسمي العُظمى. لا يمكنك أن تعزو أداءه، أو شيئاً من ظواهره المُدهشة إلى المنطق. كذلك عرف السوريون إعلامهم في السنوات الخاليات، وهكذا استمرّ في الحرب. كل الرهانات على تغيير فعلي يطال أداءه سقطت. كأن هذا الأداء من «الثوابت الوطنية» التي ما انفكت الحكومات المتعاقبة في ظل الحرب تؤكد «على التمسك بها». ويبدو «الإخلاص» لهذا الثابت المبرّر الوحيد لفشل كل الهزات الكبرى المتتالية في إحداث تغييرٍ ما.


انطلاقاً من ذلك، سيبدو طبيعياً أنّ الغارات الأميركية الأخيرة ضدّ أهداف داخل الأراضي السورية تحولت إلى حدث إعلامي في بقاع الأرض، ليس من بينها مقار الإعلام السوري الرسمي. تُعتبر «سانا» الواجهة الأساسية للإعلام الرسمي، وكانت السبّاقة إلى التعاطي مع غارات التحالف الدولي. طالعتنا الوكالة أول من أمس بخبرٍ ما زال متصدراً الصفحة الرئيسية لموقعها الإلكتروني، مفادُه «أميركا وشركاؤها يستهدفون مقار لتنظيمي داعش وجبهة النصرة الإرهابيين في الرقة ودير الزور وإدلب». هكذا، وببساطة، تورد الوكالة عبر خبرٍ من 200 كلمة أسماء المناطق التي طاولها القصف الأميركي، من دون توخي أي خصوصية تُشعر القارئ بأن الحدث يقع داخل الأراضي السورية.

غياب المواقف عن
أداء وكالة «سانا» الرسمية
ويمكننا التأكيد أن اهتمام معظم وكالات الأنباء العربية والعالمية بالحدث كان أكبر، بما لا يُقاس. لكنّ الأمانة تقتضي منّا الإشارة إلى أن الوكالة سارعت في ثاني أيام الغارات إلى مواكبة مستجداتها، عبر خبر من 60 كلمة، يسرد أسماء المناطق المُستهدفة على النحو ذاته. وبطبيعة الحال، خلا الخبران من الإشارة إلى سقوط ضحايا مدنيين جرّاء الغارات. في ركن مُهمل من الموقع الرسمي، يسأل «استطلاع الرأي» الجمهور: «ما هو هدف التحالف الأميركي الغربي الجديد ضد تنظيم داعش الإرهابي؟»، ويُخيرنا بين إجاباتٍ ثلاث: «مكافحة الإرهاب والقضاء على التنظيم»، أو «تغيير الجغرافيا السياسية للمنطقة»، أو«ضمان استمرار الهيمنة الأميركية الغربية على العالم». لاحقاً، يبدو أنّ أحداً ما قد تنبّه إلى غياب المواقف عن أداء الوكالة، أو أنّ ضوءاً أخضر كان مُنتظراً قد أُعطي أخيراً، ليُطالعُنا الموقع الرسمي للوكالة بتقرير طويل بعنوان «بعد سنوات من دعمهم... واشنطن وأتباعها يقررون مواجهة الإرهابيين الأجانب». في الصحف الرسمية الصادرة أمس، تبدو الحال مختلفة إلى حدّ ما. اختلافٌ ربّما كانَ مردّه أن الصحفَ حظيت بوقتٍ أكبر للحصول على مؤشرات توَجّه بوصلَتها، ما افتقدته الوكالةُ التي بدَت كأنّما فوجئت بأنباء الغارات. ها هي صحيفة «تشرين» مثلاً، تتبنى رأياً مفادُه أن «الإرهابيين لا يُحاربون الإرهاب» فيما تطالعنا صحيفة «البعث» بمقالٍ يُشكك في نيات التحالف بعنوان «تنفيذ القرار 2170 تعثّر البداية وفقدان المصداقية». أما صحيفة «الثورة» فتفتتح بمقال يُهاجم «السماجة الأميركية الأكثر حضوراً وسط المسرحيات الهزلية لمكافحة الإرهاب والأكثر فشلاً في إخراجها».